تالا ومحمد رسولا غزة للعالم من منصة السوبر الأوروبي

صابر الجرادي:

في ليلة كروية عالمية، في قلب ملعب إيطالي يتلألأ بالأضواء، توقفت الأعين والقلوب عند مشهد لم يكن في جدول المباراة، لكنه كان أهم من الكأس والميداليات..

هناك، على منصة التتويج، وقفت تالا ذات الـ12 عامًا، ومحمد ذو التسعة أعوام، طفلان فلسطينيان جاءا من غزة، لا ليشهدا حدثا رياضيا وحسب، بل ليحملا رسالة أمة محاصرة، وصرخة طفولة تستغيث من تحت الركام…

تالا وصلت إلى ميلانو للعلاج بعد إصابتها ومعاناتها من مشاكل صحية، إذ لم يعد في غزة معدات أو مستشفيات قادرة على إنقاذها.

محمد، الطفل الذي فقد والديه تحت القصف، ونجا من غارة جوية تركت على جسده جراحا لن تمحى، جاء برفقة جدته بحثا عن علاج وفسحة أمان..

حين سلما الميداليات للاعبين، لم يكونا مجرد طفلين على منصة، بل كانا صوت غزة حين تُخرس أصواتها بالقنابل، وكانا الشاهدين على جريمة مستمرة منذ أكثر من677 يوما منالإبادة حوالي 22شهرا.

قبل صافرة البداية، رفع تسعة أطفال لاجئين من فلسطين وأفغانستان والعراق ونيجيريا وأوكرانيا يافطة كبيرة كتب عليها:

“أوقفوا قتل الأطفال”

“أوقفوا قتل المدنيين”

كانت هذه اللافتة تتدلى أمام ملايين المشاهدين حول العالم، اختصارا لكل ما تحاول البيانات والإحصاءات قوله، ونقضا عمليا للسردية الإسرائيلية التي مازالات تحاول تبرير قصف البيوت والمستشفيات والمدارس…

لكن غزة لا تحتاج إلى خطب مطولة لتكشف الحقيقة، يكفي وجه تالا المرهق من المرض، وابتسامة محمد التي تحاول النجاة من الحزن، ليعرف العالم أن ما يحدث هناك ليس حربا، بل إبادة جماعية ضد شعب أعزل…

حتة أخر إحصائية منشورة لوزارة الصحة في غزة، قتل جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يقارب 18,592 طفلاً فلسطينيًا في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب بيانات رسمية لوزارة الصحة في غزة حتى تاريخ 31 يوليو/تموز 2025..

هذه الأرقام ليست جداول جامدة، بل هي أسماء وصور وذكريات. بينهم أطفال رضع قُتلوا في يوم ولادتهم، وخمسة في اليوم الأول، وخمسة في اليوم الثاني، وثمانية في يومهم الثالث. وتشمل الإحصائية أيضًا:

88 طفلابعمر شهر واحد.

90 طفلا بعمر شهرين.

78 طفلا بعمر ثلاثة أشهر.

هؤلاء لم يعرفوا بعد شكل المدرسة أو رائحة البحر، ولم يتعلموا أن يلفظوا كلمة “ماما” جيدا، لكنهم أضيفوا إلى سجل طويل من الشهداء، لتبقى غزة المكان الذي يولد فيه الأطفال على موعد مع الموت…

كتب الكاتب مروان الغفوري في مقالة نشرها على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي:

“من الواضح أن العام 2023 سيترك أثره العميق في الشرق الأوسط، وربما العالم، لعقود من الزمن. فهو العام الذي دشنّت فيه إسرائيل، بمساعدة غربية مباشرة، أكبر محرقة بشرية منذ الحرب العالمية الأولى. الصورة الطالعة من غزّة هزّت اليقين بكل شيء، بالسلام والعدالة كما بالديموقراطية والنظام الدولي. أمام هول ما يجري بات الحديث عن إمكانية دمج إسرائيل، حكومة وشعباً، بالمنطقة العربية ضرباً من الجنون.”

كلمات الغفوري ليست توصيفا سياسيا فحسب، بل هي مرثية لزمن كان يفترض أن العالم فيه قد تجاوز منطق المحرقة والمجازر، لكنه عاد إليها بثوب جديد…

لقد انتهت المباراة بفوز باريس سان جيرمان وخسارة توتنهام، ربما تنسى تفاصيل الأهداف بعد أيام، لكن صورة تالا وهي تسلم على لاعبي ومدربي الفريقين ومحمد وهو يبتسم رغم الألم، ستظل باقية، لأنها تختصر الحكاية كلها…

هما لم يأتيا إلى إيطاليا ليرقصا مع الأضواء، بل ليقولا أمام كاميرات العالم:

نحن أطفال غزة، نحن من بقي حيًا وسط 18,592 طفلًا لم يبقوا، نحن من خرجنا من تحت الركام لا لنهرب، بل لنشهد، لنقول لكم إن ما يجري في غزة لا يمكن أن يُسمى حربا، بل قتلًا ممنهجًا لطفولة شعب بأكمله، إبادة جماعية..

في النهاية، لم يكن “الحدث الرياضي” هو ما سيُسجل في ذاكرة الناس، بل هذه اللحظة الإنسانية التي وضعت العالم أمام مرآته يتساؤل:

هل سيظل يتفرج على أرقام الضحايا كما يتابع نتائج المباريات؟

أم سيستوعب أن كل طفل قتل وسيقتل كان يمكن أن يكون لاعبا أو طبيبا أو شاعرا، وأن ما يقتل في غزة ليس فقط الأجساد، بل المستقبل نفسه؟

تالا ومحمد لم يطلبا من العالم المستحيل، كل ما أراداه هو أن تتوقف قائمة الأسماء عند آخر طفل، وأن تتحول لافتة “أوقفوا قتل الأطفال” من شعار على منصة رياضية إلى واقع على الأرض.

لم تكن منصة السوبر الأوروبي مجرد مكان لتوزيع الميداليات، بل كانت منصة اعتراف بالعجز الدولي، ومنبرا لطفلين حملا عبء أمة، ورسالة صادقة أن الحقيقة أقوى من أي سردية زائفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى