أنا حُرّة… بلا بطاقة حزب وبلا راتب وبلا وصاية

د. فيروز الولي :

في بلدٍ صار الانتماء فيه وظيفة، والرأي فيه بندًا في كشف الرواتب، يصبح قول “أنا حُرّة” تهمة جاهزة، وتتحول الكلمة إلى ملف أمني، والرأي إلى بطاقة حزبية مؤجلة الدفع.
كلما كتبتُ حرفًا، انهالت عليّ التصنيفات الجاهزة: حوثية؟ إصلاحية؟ مؤتمرية؟ انتقالية؟
وكأن اليمن لم يعد يتّسع لإنسانٍ عادي، مستقل، بلا راعٍ سياسي، وبلا مُشغِّل أيديولوجي.
أنا بلا راتب.
وهذه جريمة في زمن “المناضلين بالتعاقد”، حيث الراتب يسبق المبدأ، والسلة الغذائية تسبق الضمير، وكشف الإعاشة أهم من كشف الحساب.
أنا مثل ملايين اليمنيين: أستيقظ بلا بدل مواصلات، أتكلم بلا مكافأة، وأغضب بلا غطاء، وأكتب بلا تصريح.
سياسة التصنيف بدل النقاش
في هذا المشهد البائس، لم يعد السؤال: هل ما تقول صحيح؟
بل: مع من أنت؟ ومن يدفع لك؟
فالعقل السياسي الكسول لا يناقش الفكرة، بل يفتش عن الراعي.
وإن لم يجد راعيًا، اخترع واحدًا: “أكيد مدعومة… أكيد مأجورة… أكيد تشتغل لحساب جهة”.
هكذا تحوّل الرأي العام إلى قسم موارد بشرية،
والساحات إلى طوابير إعاشة،
والهتاف إلى فاتورة شهرية.
من في الميدان؟ ومن في الظل؟
الذين “في الميدان” اليوم ليسوا بالضرورة صوت الشعب،
بل — في الغالب — صوت من يستلم.
حزبي، أو شبه حزبي، أو “متعدد الشرائح” حسب التاريخ العائلي للمنفعة الشخصية.
يطبل اليوم، ويزمر غدًا، ويغيّر اللحن بعد غد، المهم أن يستمر الحفل… والراتب.
أما الشعب الحقيقي؟
ففي الظل.
يصمت لأنه لا يملك مكبر صوت،
ولا يملك تصريح مرور،
ولا يملك بندًا في ميزانية “النضال”.
الاستقلال… التهمة الأشد
أن تكون مستقلًا في اليمن يعني:
لا حماية سياسية
لا منصة إعلامية
لا حصانة اجتماعية
ولا حتى حق الخطأ
المستقل لا يُغفَر له، لأنه لا يخدم أحدًا.
ولأنه أخطر من الخصم:
فهو يفضح الجميع… بلا استثناء.
كوميديا سوداء: وطن برواتب مؤقتة
نعيش في وطن:
فيه أحزاب بلا شعوب
وساحات بلا مواطنين
وثورات بلا ثوار
وإعلام بلا صحفيين
ونخب “ثورية” لا تتحرك إلا بعد نزول الإعاشة
والمضحك المبكي أن من يتهمونك بالعمالة،
هم أنفسهم يسألونك سرًا:
“طيب… من وين تصرفي؟”
كلمة أخيرة
أنا لا أتكلم باسم حزب.
ولا أكتب لحساب جماعة.
ولا أرفع شعارًا إلا وجع الناس.
أكتب لأن الصمت صار خيانة للنفس،
ولأن هذا الشعب — الذي يُطلب منه دائمًا أن يصبر —
لم يُعطَ يومًا حق الكلام بلا مقابل.
أنا حُرّة…
وهذا وحده كافٍ ليجعلهم غاضبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى