أيلول… حين تحولت حفرة الإهمال إلى قبر وصار المطر شاهداً على الجريمة

مبارك عبدالقادر الشيباني :

في مدينة أنهكها التعب وغلبها الإهمال لم يكن أحد يتوقع أن يتحول تحذير أم إلى نبوءة موجعة ولا أن يصبح خوفها القديم مأتماً دائماً في قلبها.

 

قبل عشرة أشهر لم تكن الأستاذة دينا أمين تبالغ ولم تكن تبحث عن ضجيج أو اهتمام.

كانت فقط أماً ترى الخطر يحدق بأطفال الحارة حفرة مكشوفة لمجاري الصرف الصحي فم مفتوح ينتظر ضحية. صرخت ناشدت كتبت، حذرت… لكنها كانت تصرخ في فراغ. لا أحد سمع لا أحد تحرك وكأن أرواح الأطفال ليست أولوية في دفاتر المسؤولين.

واليوم… عادت كلماتها لكن ليس كتحذير بل كمرثية.

أيلول… طفل لم يكن يعرف من الدنيا سوى اللعب وضحك الطفولة خرج ليستقبل المطر كما يفعل الأطفال لم يكن يعلم أن الماء الذي ينتظره للفرح سيحمله إلى الغياب في لحظة غادرة ابتلعته السيول وساقته إلى تلك الحفرة المنسية التي لم تُغلق ولم تُصن ولم تُعتبر يوماً خطراً يستحق المعالجة.

هناك… انتهت الحكاية.

ودّعت تعز طفلاً جديداً لا بصوت قذيفة بل بصمت الماء أيلول السامعي الاسم الذي يحمل معنى الحصاد والجمال صار رقماً جديداً في سجل الفقد اليمني وخصوصاً التعزي الطويل وشاهداً حياً على أن الإهمال قد يكون أفتك من الحرب.

ليست المأساة في المطر فالمطر رحمة لكن الكارثة في مدينةٍ تُركت بلا حماية شوارعها تتحول إلى أنهار ومجاريها إلى مصائد وحفرها إلى قبورٍ مفتوحة فغابت الحياة الآمنة وصار الطفل وحده في مواجهة الطبيعة وقسوة المسؤول.

أي قلبٍ يحتمل أن ترى أم الخطر بعينيها وتحذر منه ثم يأتيها القدر من نفس الباب الذي طرقته طويلاً دون إجابة؟

أي وجعٍ هذا الذي يجعل التحذير يتحول إلى فقد والصوت إلى صمتٍ أبدي؟

لا الكلمات تُعيد أيلول، ولا الدموع تشفي قلب أمه لكنه اليوم في مكانٍ لا خوف فيه ولا سيول ولا إهمال هناك حيث العدالة لا تغيب وحيث لا تُترك الحفر مفتوحة لابتلاع الطفولة.

لكن هنا… على هذه المدينة ما زال السؤال معلقاً:

إلى متى ستظل أرواح الأطفال هي الثمن؟

إلى متى سيبقى الإهمال بلا حساب؟

دم أيلول ليس حادثاً عابراً بل مسؤولية كل من تجاهل كل من أهمل، كل من قرر أن يؤجل الإصلاح حتى جاء الموت أسرع.

 

وفي وسط هذا الوجع يسطع موقف إنساني نادر… عمران ذلك الشاب الذي لم ينتظر توجيهاً ولا أمراً نزل إلى الماء وسبح لساعات طويلة بحثاً عن الطفل يفعل ما عجزت عنه الجهات المعنية بلا تجهيزات بلا حماية لكنه كان يملك شيئاً أهم… ضميراً حياً.

قُبلة على جبينك يا عمران…

لقد كنت إنساناً حين غاب الإنسان.

هذه الحكاية لا يجب أن تنتهي بالبكاء فقط بل بالفعل.

أيلول ليس مجرد قصة حزن بل دعوة لأن يتحول الألم إلى موقف إلى مبادرة إلى وعيٍ يمنع تكرار الفاجعة.

نناشد كل الجهاتة وكل القلوب الحية وكل البيوت التجارية أن تتبنى مبادرة إنسانية تحمل اسم أيلول دعماً لأسرته وتخليداً لذكراه. ليس المال وحده ما يُطلب بل الاعتراف بأن هذا الطفل لم يمت عبثاً وأن وجعه يمكن أن يصنع فرقاً.

في النهاية…

رحل أيلول

لكن الحفرة ما زالت هناك…

والخطر ما زال قائماً…

والصمت… ما زال شريكاً في الجريمة

رحل أيلول… وبقي في القلب وجع لا ينتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى