إيجاد ضوابط لحماية أموال التركات من الإستيلاء عليها يعد ركيزة من ركائز العدالة

القاضي/ منصور محمد القباطي :
تعاني منظومة العدالة في اليمن من تزايد النزاعات المتعلقة بالتركات، وانتشار ظاهرة استيلاء بعض الورثة خصوصًا الأقوى منهم نفوذًا على أموال التركة، وحرمان بقية الورثة منها، خصوصًا النساء والقُصّر والورثة الضعفاء، ويستغل الورثة المسيطرين على أموال التركة بعض الثغرات القانونية سواء التشريعية او التنظيمية ومنها دعوى المطالبة بالفرز والتجنيب قبل التسليم بهدف تعطيل تسليم حقوق الورثة لسنوات، بحجة عدم وجود فروز توضح الحصص للشركاء وفي الوقت نفسه يذهب بعض الورثة الى عرقلة إجراءات القسمة بحجج متعددة الامر الذي يجعل الدعوى تظل منظورة لسنوات امام المحاكم بسبب تعنت البعض ولددهم في الخصومات مما يؤدي إلى تراكم القضايا في المحاكم وبطء الفصل في النزاعات وزيادة الخصومات الأسرية وضياع حقوق الورثة الضعفاء. ومن تلك الثغرات التي يستغلها بعض الورثة ما يلي:
1. قصور التشريعات القائمة حيث لا يوجد قانون تنظيم التركات كما لا توجد نصوص عقابية واضحة تردع من يقوم بالاستيلاء على التركة. وغياب نظام يعاقب إخفاء مستندات المورّث أو الامتناع عن تسليمها، عدم وجود حماية خاصة للنساء والضعفاء الذين يتعرضون للإقصاء من الميراث تحت الضغط أو العرف.
2. ثغرات في التطبيق القضائي اشتراط دعوى “فرز وتجنيب” قبل التسليم يؤدي إلى تعطيل حق الوريث سنوات طويلة. فضلاً الى ضعف الإجراءات التنفيذية في قضايا التركات، غياب آلية لمساءلة من يعرقل إجراءات القسمة.
3. غياب الردع الاجتماعي والقانوني شيوع مفهوم “تغليب القوي داخل الأسرة” على النص القانوني. انتشار ظاهرة الحيازة الغاصبة لأموال التركة تحت غطاء العرف أو النفوذ.
ولتخفيف هذه المشكلة وتلافي بعض اثارها لابد من اجراء تدخلات لإصلاح هذه الثغرة والهوة العميقة لردمها ومن خلال اجراء تعديلات تشريعية. تتضمن الآتي:
أولاً: في الجانب التشريعي:
1- إصدار قانون “حماية التركات” يتضمن الأحكام والإجراءات التي تهدف الى حماية أموال التركات بعد وفاة المورث وإدارتها ومنع العبث بها أو الإستيلاء عليها من أي وريث إلى حين توزيعها على مستحقيها من الورثة والمدة الزمنية لاجراء القسمة مع إعتماد مبدأ التسليم الشائع للوريث لحصته مشاعة دون اشتراط دعوى فرز وتجنيب، ضمانًا لحقه في الانتفاع، ومنعًا لإساءة استخدام دعاوى القسمة للتعطيل وكذا المواد القانونية التي تجرم التأخير في اجراء القسمة لمدة تزيد عن ستة اشهر مثلاً وتجريم أفعال الاستيلاء والتصرف غير المصرح به في التركة، مثل تجريم أفعال إخفاء أو إتلاف أو احتجاز مستندات المورّث أو السيطرة على أموال التركة دون سند، أو منع الورثة من الانتفاع بحقوقهم، أو التصرف بالبيع أو الرهن في أموال التركة قبل قسمتها، أو استغلال القوة أو النفوذ لحرمان أحد الورثة من نصيبه، مع وضع عقوبات رادعة ومعايير واضحة لتنفيذها، على ان تتضمن العقوبات الحبس من 6 أشهر إلى 10 سنوات حسب جسامة الفعل، الغرامة المالية، رد المال محل الإعتداء، والتعويض المدني للوريث المتضرر، واعتبار بعض الأفعال من الجرائم المخلة بالأمانة. مع تشديد العقوبة اذا مس الفعل المجرم الفئات الضعيفة كالاعتداء على حقوق نساء أو القُصّر، أو في حال حصول تنازلات صادر من بعض الورثة تحت الضغط وغيرها من الظروف المشددة.
ثانياً: في الجانب التنظيمي :
الإهتمام بالجانب التنظيمي لحماية أموال التركات وإجراءات القسمة ومواعيدها وتوفير متطلبات العمل القضائي كل ذلك سينعكس إيجابًا على الواقع العملي ومن تلك المتطلبات ما يلي:
1- إصدار تعميم قضائي من مجلس القضاء الأعلى باعتماد التسليم الشائع في أحكام المحاكم، كخطوة أولية أمر مهم نظراً لغياب مجلس النواب والمؤسسة المعنية بالتشريع خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ بلادنا الحبيبة بفعل الاحداث التي يمر بها يمننا الغالي.
2- ضرورة إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية في كل المحاكم لحصر تركات المتوفين ومنع التلاعب وتربط بشبكة مركزية وتسخر لها كافة الإمكانيات والاحتياجات من أجهزة الحواسيب والربط الشبكي.
3- تخصيص دوائر قضائية مختصة بقضايا التركات لتسريع الفصل. تعزز بمدونة إجراءات تنفيذية خاصة بقضايا أموال التركة، أو إنشاء “مكاتب تسوية تركات” ملحقة بالمحاكم.
4- تدريب القضاة على مبادئ الشيوع والتسليم الحكمي.
5- تعزيز دور النيابة في حماية الورثة الضعفاء.
6- تعزيز ثقة المجتمع في القضاء وتقليل النزاعات الأسرية، على أن يرافق ذلك الإصلاحات حملات توعية بحقوق النساء في الميراث للحد من الإعتداء على حقوق النساء.
فتلك الخطوات والسياسات ستنعكس آثارها بشكل إيجابي على الأسرة والمنظومة العدلية والأمنية بشقيها كونها ستعمل على خفض النزاعات الأسرية بنسبة كبيرة، من خلال تمكين النساء من الحصول على نصيبهن الشرعي دون حاجة لصراعات وإعادة التوازن داخل الأسرة مع منح كل وريث حقه دون هيمنة، وتقليل الضغط على المحاكم والأجهزة الأمنية بسبب اختصار مراحل التقاضي، انتزاع ثقافة استيلاء القوي على التركة واستبدالها بثقافة احترام القانون، كما ستعمل على حماية حقوق الورثة كافة دون تمييز، وتسريع إجراءات القسمة وتقليل العبء على المحاكم، وردع الاستيلاء على التركات ومعاقبة مرتكبيها. وتوفير ضمانات خاصة للنساء والقُصّر.
التوصيات النهائية :
1. إعداد مقترح لقانون حماية التركات وتضمينه كل المواد القانونية اللازمة مع إعتماد المشروع المقترح ضمن حزمة إصلاح القضاء اليمني.
2. إحالة مسودة القانون إلى مجلس النواب لإقراره بشكل عاجل.
3. إصدار تعميم قضائي فوري بتطبيق التسليم الشائع.
4. توفير قسم المعلومات بكل محكمة مجهز بكل الاحتياجات وعمل ربط شبكي.
5. إطلاق برنامج وطني للتوعية بحقوق الورثة، خصوصًا النساء.
6. إشراك المجتمع المدني في مراقبة الانتهاكات المتعلقة بالتركات.
والله الموفق ،،،،،،،
رئيس محكمة المواسط والمعافر /
القاضي منصور محمد القباطي






