الدين في المجال العام:قيم روحية،ليس غطاء للسلطة!

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي

تظل إشكالية توظيف الدين في المجال السياسي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ المجتمعات الإنسانية، حيث يتحول الدين من كونه منظومة قيمية وروحية قادرة على تجذير المبادئ الأخلاقية وإلهام العدالة الاجتماعية، إلى سلاح ذي حدين يجمع بين القدرة على التحفيز نحو الأمل والتضامن، والإمكانية الخطيرة للإنحدار إلى أداة لتبرير الهيمنة وإضفاء الشرعية على ممارسات تقمع حقوق الإنسان وتسلبه حريته، غالباً ما يبدأ التوظيف السياسي للدين بخطاب يظهر الانحياز للمستضعفين ويدعي الدفاع عن القيم المقدسة، لكنه سرعان ما ينزلق نحو تأبيد السلطة وإضفاء صفة القداسة على القرارات السياسية، مما يحول الدين من نبع للقيم إلى غطاء أيديولوجي، ويحول رجل الدين من مرشد روحي إلى حارس للسلطة. هذه العملية لا تسيء إلى الدين فحسب، بل تفقد السياسة طابعها البشري القابل للنقد والتطوير، وتجعل منها فضاءً مغلقًا لا يقبل المساءلة، لكن هذا لا يعني بأي حال أن على الدين أن يغيب عن المجال العام، بل على العكس، يمكن للقيم الدينية الأصيلة أن تلعب دوراً حيوياً في بناء ضمير المجتمع، خاصة عندما تتجسد في الدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية ومقاومة الظلم فالفارق الجوهري هنا يكمن في التمييز بين “التديين السياسي” الذي يسعى إلى هيمنة دينية على الدولة، وبين “الأخلاق المستمدة من الدين” التي يمكن أن تثري النقاش العام وتسهم في بناء سياسات أكثر إنسانية.
تحقيق التوازن بين الدين والسياسة يتطلب وعياً عميقاً بضرورة فصل المؤسسات دون فصل القيم، بحيث لا تهيمن المؤسسة الدينية على مؤسسات الدولة، مع احترام تأثير القيم الدينية في تشكيل الضمير الجمعي. كما يتطلب نقدًا دائمًا للخطاب الديني السياسي، لتمييز الخطاب الذي يوظف الدين لتبرير السلطة عن الخطاب الذي يستلهم منه قيم العدالة والتضامن. ويجب أن يصاحب ذلك حماية صريحة للتعددية، تضمن حق الجميع في ممارسة معتقداتهم دون خوف، وفي الوقت نفسه تمنع أي معتقد من أن يفرض على المجتمع ككل، وفي النهاية، يظل التحدي استحالة تسخير واستغلال الدين سياسياً، فالدين في جوهره دعوة إلى التسامي الأخلاقي والروحي،ومصدر إلهام أخلاقي خارج أطر الهيمنة، ويمكن أن يسهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنسانية، مجتمع يحترم التنوع ويقدس الكرامة الإنسانية، ويبني سياساته على أساس من القيم المشتركة لا على أساس من الإكراه الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى