الوزير أمين القدسي يكشف عن رؤية إصلاحية شاملة لتطوير التعليم العالي والبحث العلمي

تشكل المرحلة الراهنة التي يمر بها وطننا الحبيب منعطفاً حاسماً يتطلب منا جميعاً وقفة صادقة مع الذات، وتقييماً موضوعياً للمسار، وعملاً دؤوباً لمواكبة المتغيرات. وفي مقدمة الأولويات التي تفرضها هذه المرحلة، يأتي قطاع التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، وحجر الزاوية في أي مشروع تنموي أو نهضوي شامل.
انطلاقاً من هذه القناعة الراسخة، واستشعاراً للمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقنا، فإن رؤيتنا للعمل في الوزارة تقوم على أسس واضحة ومحددة، تترجم توجهات القيادة السياسية ممثلة بفخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي، والدكتور شائع محسن الزنداني رئيس مجلس الوزراء، وتستجيب لتطلعات أبناء شعبنا في تعليم جامعي وبحث علمي يليق بتاريخ وطنهم ويواكب تطورات العصر. إنها “رؤية إصلاحية شاملة” نهدف من خلالها إلى إحداث نقلة نوعية في أداء المؤسسات التعليمية، وجعلها قادرة على المنافسة والمساهمة الفاعلة في بناء الدولة الحديثة. وتتجسد هذه الرؤية في عدة محاور استراتيجية:
أولاً: ترشيد سياسات الابتعاث وربطها بأولويات التنمية
لطالما مثل الابتعاث الخارجي جسراً مهماً لنقل المعرفة واكتساب الخبرات. إلا أن هذه الأداة الاستراتيجية تحتاج إلى إعادة توجيه دقيق، ليصبح الابتعاث وسيلة لتحقيق أولويات الدولة وليس غاية في حد ذاته. سنعمل على مراجعة شاملة لسياسات الابتعاث ومعاييره، بما يضمن توجيه الموارد المحدودة نحو التخصصات النوعية النادرة التي تشكل احتياجاً وطنياً حقيقياً. لن يكون هناك مجال للابتعاث العشوائي، بل سنركز على التخصصات المرتبطة بخطط التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات الدولة. وسنعمل على تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص في آليات المفاضلة واختيار المبتعثين.
ثانياً: ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي
لا يمكن الحديث عن تعليم عالٍ فاعل دون الحديث عن الجودة. لذلك، فإن إعادة تقييم البرامج الأكاديمية القائمة، ومراجعتها بشكل مستمر، وتطويرها بما يتوافق مع المتغيرات المحلية والعالمية، سيكون في صدارة أولوياتنا. سنعمل على تفعيل نظم الاعتماد الأكاديمي والرقابة المؤسسية، وفقاً للمعايير الوطنية والدولية المعتمدة. نريد لمؤسساتنا التعليمية أن تكون بيئة جاذبة للطلاب والمبدعين، ومخرجاتها قادرة على المنافسة بقوة في سوق العمل المحلي والإقليمي.
ثالثاً: إعادة الهيكلة وتعزيز الحوكمة الرشيدة وكفاءة الإنفاق
إن التحديات المالية التي تواجهها البلاد تفرض علينا العمل بإخلاص على تنمية الموارد المتاحة وترشيد الانفاق. ولذلك، فإن العمل على إعادة هيكلة منظومة التعليم العالي والبحث العلمي يمثل ضرورة ملحة لتعزيز كفاءة الإنفاق، والقضاء على الازدواجية في البرامج والتخصصات، والاستغلال الأمثل للكوادر البشرية والبنية التحتية. سنعمل على تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة في جميع مؤسساتنا، سواء كانت حكومية أو أهلية، لضمان الشفافية والمساءلة، وتحقيق أعلى مستويات الأداء المؤسسي.
رابعاً: البحث العلمي
يجب أن يتحول البحث العلمي من مجرد متطلب أكاديمي إلى أداة فاعلة لحل المشكلات ودفع عجلة التنمية. سنركز جهودنا على دعم وتشجيع البحث العلمي التطبيقي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً باحتياجات الاقتصاد الوطني الملحة، وفي مقدمتها مجالات الأمن الغذائي والمائي والطاقة. وسنعمل على تحفيز الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والمؤسسات الإنتاجية، لتبني نتائج هذه الأبحاث وتسويقها، وتحويلها إلى مشاريع تنموية تساهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز الاقتصاد الوطني.
خامساً: مواكبة العصر وسد الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل
إن واحدة من أكبر التحديات التي تواجه قطاع التعليم العالي هي الفجوة القائمة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه سوق العمل الفعلي. لمواجهة هذا التحدي، سنعمل على فتح مسارات تعليمية عصرية وبرامج أكاديمية مبتكرة تواكب التطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة وغيرها. نهدف من ذلك إلى بناء رأس مال بشري يمني يتمتع بمهارات وكفاءات عالية، قادر على الإبداع والمنافسة إقليمياً ودولياً، والمساهمة بفعالية في تحقيق التنمية المستدامة.
سادسا: الشراكة والتعاون مع مؤسسات التعليم العالي
سوف يتم العمل على تعزيز التعاون الأكاديمي، من خلال عقد شراكات مع الجامعات والمراكز البحثية العربية والعالمية، لتحديث البنية التحتية للجامعات اليمنية وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الناجحة في مجال الجودة والاعتماد الأكاديمي واستحداث برامج جديدة في الجامعات تواكب متطلبات العصر وخلق فرص لبرامج بحثية مشتركة.
إن هذه المحاور تمثل خارطة طريق واضحة نسير على هديها خلال المرحلة القادمة. وهي رؤية لا يمكن تحقيقها بجهود الوزارة وحدها، بل تتطلب دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة وتضافر جهود جميع الشركاء: الأكاديميين والباحثين، الطلاب وأولياء الأمور، مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص.
إننا ننظر بعين التفاؤل والأمل إلى مستقبل التعليم العالي في بلادنا. فجامعاتنا هي منارات الفكر وحاضنات الإبداع، وشبابنا هم ثروتنا الحقيقية. ونحن على يقين بأننا بعقول أبنائنا وإرادتهم الصلبة، قادرون على بناء يمن جديد، ينعم بالاستقرار والازدهار، ويتبوأ مكانته اللائقة بين الأمم. والعمل يبدأ الآن.







