د.أمين عبدالخالق العليمي | حين يختلط الغبار بالصوت لايبقي الا وجه الحقيقية

كتب : د/ امين عبدالخالق العليمي.
في وضع يتداخل فيه الصديق بالمتربص، والناصح بالمحرّض، والباحث عن الحقيقة بصاحب الأجندة، تصبح الكلمة مسؤولية، والصمت مسؤولية، والموقف اختباراً لا يجتازه إلا من يعرف أن الوطن أكبر من الأصوات التي تُرفع، وأصدق من الاتهامات التي تُرمى، وأطهر من الشائعات التي تتكاثر كلما تقدّم خطوة نحو الخلاص،
هذه الأيام ليست أيام أزمات فقط… بل أيام إعادة تشكيل الوعي، ولحظة دقيقة يختبر فيها الوطن صبر الناس، ويختبر فيها الناس صدق من يقودهم، ويختبر فيها القائد قدرته على الوقوف شامخاً ولو كانت الرياح كلها في وجهه،
لقد أصبح المواطن مطارداً بعواصف من الأخبار، ودوامات من التحريض، وكأن هناك من يريد للعقول أن تُتخطف، وللثقة أن تُهدم، وللقلب اليمني أن يفقد آخر ما يملكه: الأمل،
وهنا يكمن الخطر…
فأخطر ما يصيب وطناً ليس الفقر ولا الحرب، بل حين يفقد الناس القدرة على التمييز بين البناء والتهديم، بين الصادق والمزوّر، بين من يعمل لأجلهم، ومن يعمل عليهم،
في هذه اللحظة بالذات، لا بد أن يفهم الناس أن الحملات المنظمة ليست من فراغ، وأن الضجيج لا يُصنع إلا حين يتحرك قطار الدولة إلى الأمام، وأن التشويه لا يلاحق القائد الضعيف، بل يلاحق القائد الذي بدأ يهدم مصالح الفوضى، ويفتح أبواباً كان يجب أن تبقى مغلقة عند البعض،
الهجوم اليوم ليس عشوائياً
ولا بريئاً،
ولا نابعاً من حرص،
إنه هجوم ممنهج، يستهدف ضرب الثقة بين القيادة والناس!
لأن الثقة هي العمود الفقري لكل دولة تريد أن تنهض من بين الركام،
والقيادات التي تعمل بصدق لا تعرف أن تعلن كل خطوة، ولا أن تبرر كل قرار، ولا أن تتباهى بكل جهد،
هناك رجالٌ يعملون ليللً ونهاراً، دون أن يطلبوا تصفيقاً ولا شكراً، لأنهم يدركون أن الوطن لا يُبنى بالبيانات، بل بالعرق والسهر، ولا يُصان بالخطابات، بل بالقرارات الشجاعة التي لا يسمعها الناس اليوم… لكنهم سيشعرون بنتائجها غداً،
ومع ذلك، لا يمكن للدولة وحدها أن تحارب هذا التشويش، ولا للقائد وحده أن يشتبك مع كل صوت مضللً،
إن مسؤولية حماية الوعي مسؤولية شعبٍ كامل، مسؤولية كل عقل حر، وكل قلب يعرف قيمة اليمن، وكل قلم يدرك أن الحقيقة ليست سلعة للبيع، ولا موقفاً موسمياً، ولا تغريدة تمر ثم تُنسى،
نحتاج اليوم إلى كلمة تهدئ، لا كلمة تثير، إلى نقد يبني، لا اتهام يهدم، إلى وعي يرى الصورة كاملة، لا جزءاً مبتوراً منها، نحتاج إلى أن يدرك الناس أن الدولة لن تقوم إلا إذا وقف لها أهلها، وأن القائد لن يستطيع أن يشق الطريق إذا حملت الجماهير عليه كل هذا الغبار،
والسؤال الذي يجب أن يردده كل يمني الآن:
هل نحن جزء من الحل… أم جزء من الضباب؟
هل نحن نبني الثقة… أم نهدمها؟
هل نردد ما يُملى علينا… أم نفكر قبل أن نتكلم؟
الوطن الآن في لحظة مفصلية، تحتاج من الجميع الهدوء والتفكير والتماسك، لا التشتت والغضب والانسياق،
اليمن أقرب إلى النجاة مما يظن البعض، وأقرب إلى السقوط مما يتوقع البعض الآخر…
والفارق الوحيد بين الاتجاهين هو وعي الناس وثقتهم،
هذه ليست مرحلة رفاهية فكرية، بل هي معركة وعي، كل كلمة فيها رصاصة، وكل شائعة فيها خنجر، وكل موقف فيها إمّا أن يدفع السفينة إلى الأمام… أو يثقبها ليغرق اهلها،
وحين يهدأ الغبار، سيتذكر الناس أن من وقف مع الوطن كان أكبر من الحملة، وأصدق من الضجيج، وأعمق من الشعارات،
وسيعرف الجميع أن الحقيقة لا تصرخ… لكنها تنتصر .






