بين الشاشة والواقع

بين الشاشة والواقع
اليوم، في سينما أرنيادا، لم نلتقِ بفيلم فقط، بل بلحظة استثنائية جعلتنا نتساءل عن دور الطفل في حياتنا.
في فيلم Pay It Forward، يظهر الطفل ليس كمتلق للتوجيه، بل كصانع للمعنى، كمن يزرع بذرة صغيرة قد تكبر لتغمر الجميع. طفل يقدم فكرة بسيطة: أن تقوم بفعل خير، ولا تنتظر أن يعود إليك، بل مرره لغيرك.
فكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل قوة قد تغير الكبار قبل الأطفال، لأنها تُظهر أن الصدق في الفعل يتجاوز الكلام.
الفيلم لم يظل في حدود الشاشة. بعد العرض، التقينا بالواقع.
طفل يبيع مناديل، واقف ونحن نتناول العشاء بعد أن خضنا نقاشًا عن دور الطفل في بيئتنا اليمنية، وقف وعرض علينا “واحد فائن جيب بمئتين”، شكرا قلنا له” الدنيا برد مافيش برد”،أبتكر كلمات مدهشة تشعرك بالذنب إن لم تشتري منه، بأن المبلغ حق روتي، تحدث بهدوء وثقة تفوق عمره، ومن كلامه، أن كل منديل يُباع قد يوفر عشاء له و لعائلته. لم يطلب منا الشفقة، لم يبالغ في روايته، لكنه استطاع أن يقنعنا بقيمة فعل بسيط.
قلت له تعشاء معنا، واقسمت ان حق العشاء دين، اقتنع، وجلس، حاولت الحديث معه، وعرضت عليه أننا بحاجة لطفل لتمثيل دور ما، اريته مشاهد من الفلم لكنه رفض، في تلك اللحظة، رأينا الطفل كما هو في الفيلم: قادر على أن يكون نموذجًا، قادر على تعليم الكبار درسًا في المسؤولية، في المبادرة، وفي الخير الصادق.
الطفل هنا لا يعقّد الأمور، لا يبحث عن مبررات، لا ينتظر شكرًا، بل يفعل ما يستطيع، فقط يفعل. ونحن، الكبار، نجد أنفسنا أمام مرآة صامتة. أمامه، نتذكّر أننا أحيانًا نبرر العجز، نختبئ خلف الظروف، وننسى أن الفعل، ولو صغيرًا، قادر على أن يترك أثرًا أكبر مما نتصور.
ولكنه استمر يقول، معي عائلة، ويجعلك تصدقه، مع أنني من بحث استقصائي عملت عليه وفشل بسبب التمويل، اعرف أنه يعمل لدى شبكة تتاجر بالأطفال، في بلد مقل هذا الطفل يمكن أن يغير ويحدث الكثير، لكنها اليمن.
هناك قصص اطفال كثيره، قصص يُدمى لها القلب، وكم حقوقه منتهكة وبدون أي قيمة، وكم صار سلعة، يُتاجر بها، لكنه هناك قصص، حيث الفزعة والتكافل جزء من حياتنا اليومية، يكون الطفل قادرًا على أن يعيد لنا هذه القيم. لا يحتاج الطفل إلى كلمات كبيرة أو شعارات، بل إلى فرصة ليكون فاعلًا، وأن يرى أثر ما يفعله على الآخرين. حين يسمح له الكبار بالمبادرة، يتحول من مجرد متلقي للتعليم إلى نموذج حي، إلى معلم يذكرنا بأن الخير يمكن أن يبدأ من أبسط الأشياء: من الابتسامة، من المساعدة، من مشاركة المعلومة أو الموارد، أو حتى من منديل يُباع ليكمل وجبة عشاء.
الفيلم وطفل المناديل في الواقع يشبهان بعضهما كثيرًا: كلاهما يتحرك بدافع داخلي صادق، كلاهما يعلمنا أن الصبر، والهدوء، والوفاء ليست صفات للكبار فقط، بل دروس يمكن أن يبدأها أي طفل. كل فعل صغير يصبح رسالة، كل مبادرة صادقة تصبح نموذجًا يُحتذى، وكل صمت هادئ يحمل معنى أكبر مما نراه للوهلة الأولى.
اليوم، بعد العرض، وبعد لقاء الطفل في الشارع، أدركت، أن الفعل البسيط قد يكون أعظم من الكلام الطويل، وأن الطفل قادر على أن يكون معلمًا بغير وعي، وأن يعلمنا نحن الكبار كيف نبدأ، كيف نتحمل، وكيف نعيد ترتيب قيمنا في عالم يعاني من الإهمال أحيانًا. الفيلم لم يكن مجرد قصة، بل دعوة صامتة: لننتبه، لنسمع، ولنفعل، كما يفعل الطفل.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: إذا كان الطفل قادرًا على البدء، على المبادرة، على تحويل لحظة بسيطة إلى أثر كبير، فهل نحن مستعدون أن نراه، أن نتعلم منه، وأن نسمح للفعل الصغير أن يغيرنا؟
صابر الجرادي






