بين 425 و390.. كيف عادت “السوق السوداء” رغم تحسن سعر الصرف؟

خليل الزكري:

خلال الأسبوع الماضي عادت أزمة العملة لتفرض نفسها بقوة على حياة اليمنيين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، بل وأكثر تعقيدا؛ فمع تحسن سعر الصرف الرسمي مقابل العملات الأجنبية، جددت “السوق السوداء” نشاطها بشكل لافت.

مطلع الشهر الجاري كان سعر صرف الريال السعودي ثابت عند 425 ريالا يمنيا. ومع الإعلان عن تشكيل حكومة الزنداني وبدء عودة عدد من أعضائها إلى عدن، شهد السوق تحسنا في السعر إلى 410 ريالات رسميا.

مقالات ذات صلة

لكن المفارقة أن هذا التحسن لم ينه الأزمة، أو ويخفض من أسعار السلع، بل تزامن مع عودة سوق موازية تشتري الريال السعودي بسعر يتراوح بين 390 و400 ريال يمني، أي أقل من السعر الرسمي، وسط امتناع الصرافين عن شراء العملات الأجنبية من المواطنين.

فكيف يمكن أن تنشأ “سوق سوداء” بسعر أدنى من السعر المعلن؟

شهادة من الميدان

في مدينة التربة (تعز)، حاولت بيع مئة ريال سعودي فقط، ومررت على أكثر من خمسة محلات صرافة، لكن أغلبها رفض الشراء، أحدهم عرض الشراء مقابل 390 ريالا.

في مصرف الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي، حيث تسلمت حوالة بقيمة 150 ريالا سعوديا، تم صرف 50 ريالا منها بعد إلحاح، فيما احتاج باقي المبلغ إلى وساطة شخصية. في المقابل، كانت السوق الموازية تبتلع أي مبلغ بسعر أقل من السعر الرسمي.

المشكلة هنا ليست في ارتفاع السعر، لكن في القدرة على البيع بالسعر المعلن. فما الذي تغير خلال أقل من نصف شهر؟

إن التحسن من 425 إلى 410 تزامن مع عاملين أساسيين:

• إعلان سياسي (تشكيل الحكومة الجديدة) أعاد قدرا من التفاؤل إلى السوق.

• ضخ ملحوظ للريال السعودي عبر صرف رواتب تشكيلات عسكرية وإكراميات في عدد من المحافظات.

هذا الضخ خلق وفرة نسبية في العملة السعودية داخل السوق. لكن السؤال هنا:

هل أدى ذلك إلى فائض في المعروض من الريال السعودي مقابل نقص في الريال اليمني؟

وهل يفسر هذا عزوف بعض الصرافين عن الشراء بالسعر الرسمي.

التعميم الرسمي والفجوة التنفيذية

في 15 فبراير 2026، أصدرت جمعية الصرافين تعميما بالتنسيق مع البنك المركزي اليمني يقضي بشراء الريال السعودي بسعر 410 ريالات، مع إعادة البيع للبنوك بحد أقصى 2000 ريال سعودي للعملية.

نظريا، هذا القرار يهدف إلى تنظيم التداول وتقليص المضاربة. لكن ميدانيا، يواجه المواطن رفضا متكررا، من البنوك ومحلات الصرافة بشراء العملات.

فهل المشكلة في التزام الصرافين؟

أم في قدرة البنوك على استيعاب الكميات؟

أم أن القيود الإجرائية جعلت بعض المنشآت تتجنب الشراء لتقليل المخاطر؟

ولماذا تظهر سوق موازية بسعر أقل؟ بينما في العادة، تنشأ “السوق السوداء” بسعر أعلى من الرسمي عند نقص العملة الأجنبية. لكن الحالة التي يشهدها سوق النقد معكوسة: حيث السعر في “السوق السوداء” أدنى.

وهو ما قد يشير إلى وفرة في العملة السعودية داخل السوق، أو صعوبة تصريفها عبر القنوات الرسمية، أو اختلال مؤقت في توازن السيولة المحلية.

لكن هل هذا تفسير كاف؟ وهل لدى البنك المركزي بيانات توضح حجم الكميات التي اشترتها البنوك فعليا منذ صدور التعميم؟

ما المطلوب عمليا؟

يتطلب استقرار السوق أكثر من إعلان سعر رسمي، ومن بين الخطوات الممكنة:

أولا: على البنك المركزي

نشر بيانات دورية عن حجم العملات الأجنبية التي تم شراؤها عبر البنوك منذ تحديد سعر 410.

توضيح آلية استيعاب الكميات المجمعة من الصرافين.

معالجة أي اختلال في السيولة بالريال اليمني إذا كان ذلك سبب الامتناع عن الشراء.

ثانيا: على جمعية الصرافين

مراقبة الالتزام بالسعر المعلن.

توضيح أسباب الامتناع عن شراء العملات بالسعر الرسمي.

توفير قناة شكاوى واضحة للمواطنين.

ثالثا: على المواطن

توثيق حالات الرفض غير المبرر.

المطالبة بإيصال رسمي عند الامتناع إن وجد مبرر إداري.

ففي حال استمرار الفجوة، قد نرى توسعا أكبر للسوق الموازية وتحول السعر الرسمي إلى رقم بلا قيمة.

البعد السياسي للأزمة النقدية

يأتي هذا التطور في وقت تمر فيه “الشرعية” بمرحلة إعادة تموضع، مع إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، وعودة أعضائها إلى العاصمة عدن.

تاريخيا، ترتبط التحركات السياسية في اليمن بتقلبات في سوق الصرف، سواء بسبب تغير توقعات المتعاملين أو بسبب تحركات مالية مرتبطة بصرف رواتب أو دعم خارجي.

وكان التحسن من 425 إلى 410 قد عكس قدرا من التفاؤل السياسي، لكن استمرار الاختلال في التطبيق الميداني يشير إلى أن الاستقرار النقدي لا يتحقق بالرسائل السياسية وحدها، ويحتاج إلى تنسيق مالي وتنفيذي محكم.

ففي بيئة تعاني من تعدد مراكز النفوذ الاقتصادي، يصبح نجاح أي قرار نقدي مرتبطا بمدى انسجام القرار السياسي مع أدوات التنفيذ المالي.

الخلاصة

التحسن من 425 إلى 410 كان مؤشرا إيجابيا؛ لكن ظهور “السوق السوداء” عند 390–400 يطرح تساؤلات جدية حول توازن العرض والطلب، وآلية تنفيذ القرار، وقدرة الجهاز المصرفي على إدارة الكتلة النقدية.

فالمواطن اليوم لا ينظر إلى سعر الصرف من زاوية التحليل الاقتصادي، ولكن ينظر للأمر من زاوية القدرة على صرف مبلغ صغير دون وساطة أو خسارة.

فهل المشكلة أزمة سيولة؟

أم فجوة تنفيذ؟

أم خلل مؤقت في الدورة النقدية؟

الإجابة الواضحة من الجهات المعنية قد تكون الخطوة الأولى لاستعادة الثقة، قبل استعادة الاستقرار الكامل للسوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى