تعز وجعٌ ضارب لا يشبه أحد… وجرحٌ نازف لم يندمل

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي
هذا الوجع لا يشبه أحداً… هذا وجع تعز، أين يبدأ الحديث عنكِ يا تعز، ومن أين يأتي الصمت ليختم؟ أبدأ من صورة الطفل أيلول السامعي الذي جرفته سيول الأمطار في حي الكوثر، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، عاد لتوّه من مدرسته حاملاً حقيبته وأحلامه الصغيرة – فإذا بمجرى السيل المكشوف يبتلعه في لحظة خاطفة، ليُعثر على جثمانه بعد ثماني عشرة ساعة من البحث المضني في سد العامرية، بعيداً عن بيته، بعيداً عن حضن أمه. أم أبدأ من الطفل مجاهد المحولي الذي جرفته السيول في وادي الدحي، وهو برفقة والدته التي لم تستطع أن تنتشله من بين يدي الموت؟ أم من الطفل عمر الزبيدي، ذي الأعوام العشرة، الذي جرفته المياه في سوق الرمدة ليكون ثالث الضحايا خلال ثمان وأربعين ساعة فقط؟ ثلاثة أطفال في يومين، ثلاثة أكباد صغيرة ابتلعتها مجاري السيول المكشوفة، في مشهد يتكرر كل عام، وكأن تعز مدينة قد كُتب على أطفالها أن يموتوا مرتين: مرة برصاص القناص، ومرة بمياه الأمطار التي صارت نقمة بدل أن تكون رحمة.
ولم تكن السيول وحدها هي الحاصد الوحيد لأرواح الأطفال في تعز. ففي السادس من أبريل من هذا العام، كان الطفل إبراهيم جلال، ابن الرابعة عشرة، عائداً من مدرسته في منطقة الروضة، تسير إلى جواره شقيقته، حاملاً حقيبته وبراءته، لا يدري أن خطواته الأخيرة ستكون على أرض تنتظره فيها رصاصة غدر أطلقها قناص حوثي من على إحدى التلال المطلة على المدينة. سقط إبراهيم مضرجاً بدمائه أمام عيني شقيقته التي لم تسمع حتى صوت الطلق الناري، في مشهد هزّ ضمير اليمن وألهب منصات التواصل الاجتماعي غضباً وحزناً. بأي ذنب يقتل طفل خرج من مدرسته يريد أن يتعلم؟ أي حرب هذه التي تخاف من قلم وطفولة ومستقبل؟ الأرض بأكملها اليوم لا تتسع لحزن هذه الأم، وكل الكلمات تعجز عن وصف ألمها.
ولم يكن إبراهيم وحده. ففي السابع من أبريل، أُصيب الطفل خالد وليد، أحد عشر عاماً، برصاصة قناص أخرى في المدينة التي صارت أطفالها فرائس يومية لفوهات البنادق التي لا تفرق بين طفل يركض نحو مدرسته وامرأة تبحث عن شربة ماء. وعلى مدى عشر سنوات كاملة، ظلت تعز تحت مجهر الموت وآلة القتل الحوثية، حيث تتربص فوهات بنادق القناصة بكل نبض يتحرك في أزقتها. آلاف الضحايا سقطوا بين قتيل وجريح، الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال، الذين استُهدفوا في لحظات ضعفهم الإنساني: إما أثناء جلب الماء من الخزانات الخيرية، أو أثناء التوجه إلى المدارس، أو حتى داخل غرف نومهم التي اخترقتها رصاصات الشاهر وقناصات الكلاشنيكوف المعدلة. تنتشر جغرافية الموت على مرتفعات المدينة: من تبة السلال شرقاً إلى جبل الوعش شمالاً، وصولاً إلى المرتفعات المطلة على حي بير باشا غرباً. في كل زقاق بحي الروضة أو زيد الموشكي، ثمة قصة لطلقة قناص لم تفرق بين طفولة كهل أو براءة رضيع. إنه نهج عملي ثابت، استخدمته المليشيا كبديل للعجز عن اقتحام المدينة عسكرياً، محولة حياة مئات الآلاف من السكان إلى حالة ترقب دائم للموت القادم بين لحظة وأخرى.
يا للحالمة التي حوّلها الحصار والقتل إلى مقبرة مفتوحة! أتذكر، وكل من يسمع اسم تعز يتذكر، تلك الأنشودة الخالدة التي غناها الفنان اليمني الكبير أيوب طارش عبسي، ابن تعز البار، حين قال: يا نور يا مسك يا حسان يا خولة، هاتوا الورود والرياحين واشعلوا الشمعة، وزينوا بالقناديل هامة القلعة، اليوم يوم الهناء هيا اهتفوا جمعا، عاشت تعز للثقافة موئل الرفعة. غناها أيوب طارش في العام الذي بدأت فيه الأحداث المؤسفة تطل برأسها على المحافظة، فأراد بعمله الوطني أن يذكّر اليمنيين والعالم بأن تعز مدينة السلام والثقافة والاستقرار، وليست ساحة للصراعات والفوضى والتمنطق بالسلاح. ثم صدح صوته الشجي بتلك الكلمات التي صارت نشيداً لكل يمني: تعز مدينتي نعم المدينة، سقاها الصبح نسمتها ولينة، زهت بجمالها شرقاً وغرباً، فليس لها من الدنيا طبينة، حماها الله من كيد الأعادي، وحصنها من العين اللعينة. فأين هي اليوم تلك المدينة التي تغنى بها أيوب طارش؟ أين هي نسمتها ولينتها وقد تحولت إلى رائحة الموت والبارود والقمامة في كل زقاق؟ أين هي قلعتها التي طلب أن تزين بالقناديل، وقد صارت مرمى لقذائف الحقد والكراهية؟ وأين هم أطفالها الذين كان ينبغي أن يحملوا الورود والرياحين، وقد صاروا يحملون أكفانهم على أكتافهم كل صباح؟
لم تكن تعز في يوم من الأيام مجرد مدينة عادية. إنها قاعدة الجمهورية كما يحلو لأبنائها أن يسموها، وعاصمة اليمن الثقافية كما أعلنتها الحكومة اليمنية في عامها المشهود. إنها المدينة التي احتضنت الدولة الرسولية في أزهى عصور اليمن الوسيطة، فكانت عاصمة للعلم والثقافة والتجارة. وفيها أُعد للثورة على الحكم الإمامي الكهنوتي، حيث كان مقرراً أن تقوم ثورة السادس والعشرين من سبتمبر في تعز نفسها، لولا أن موت الإمام أحمد أجلها إلى صنعاء. ومن تعز خرج المناضلون الأحرار الذين شاركوا في ثورتي سبتمبر وأكتوبر، أمثال الشهيد عبدالفتاح إسماعيل والشهيد مهيوب علي غالب الشرعبي، وغيرهم كثير ممن سطروا أسماءهم في سجل الخالدين. لطالما كانت تعز أيقونة الثورة وواجهة المتطلعين للحرية والعدالة والحياة الكريمة، بيت الثورة وقاعدة الجمهورية والوحدة. فيها تم الانقلاب على الإمام أحمد بقيادة الشهيد المقدم أحمد الثلايا، وفيها احتضنت المناضلين من أبناء جنوب الوطن القادمين من بيروت ليبدأوا كفاحهم ضد الاستعمار البريطاني. قام اليمنيون بثورة عظيمة لم يدركوا أنفسهم أبعادها، فقد دقوا المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس. وكانت تعز قلب هذه الثورة النابض.
فلماذا كل هذا العقاب لمدينة هي أم الثوار ومهد الأحرار؟ لماذا تحاصر تعز منذ عشر سنوات كاملة؟ لماذا تغلق طرقاتها وتخنق أنفاسها، فلا يستطيع المريض الوصول إلى مستشفى، ولا الطالب إلى مدرسته، ولا المسافر إلى أهله؟ لماذا تتربص فوهات البنادق بكل طفل يحمل حقيبته، وكل امرأة تحمل جرة ماء؟ لماذا تُترك المدينة لتغرق في مياه الأمطار التي تجرف أطفالها كل عام دون أن يحرك المسؤولون ساكناً؟ لماذا تتراكم القمامة في شوارعها وأزقتها حتى صارت جبالاً ناطقة بالوباء والمرض؟ لماذا يضرب عمال النظافة عن العمل وتُترك المدينة لتغرق في نفاياتها، فيما تنتشر الروائح الكريهة وتتكاثر الحشرات والجرذان الناقلة للأمراض؟ لماذا يعود وباء الكوليرا ليضرب المدينة مجدداً، محصداً أرواح العشرات، فيما تقف المستشفيات عاجزة عن استقبال المزيد من المرضى؟ لماذا تختلط النفايات بمياه الصرف الصحي في الشوارع، فيتحول كل زقاق إلى بؤرة للأوبئة والأمراض الجلدية والبكتيرية والفيروسية؟ لماذا تتحول تعز، وهي التي كانت يوماً جنة تغنى بها الشعراء، إلى مكب نفايات مفتوح ومقبرة للأطفال الأبرياء؟
لا أملك إجابة على هذه الأسئلة، ولن أملكها. كل ما أملكه هو هذا الوجع الذي يسكن صدري كلما سمعت اسم تعز، وكلما رأيت صورة طفل من أطفالها وقد خطف الموت ابتسامته. أملك هذه الكلمات التي أحاول بها أن أحرك ضميراً نام، أو أوقظ عقلاً غفل. أملك صوتاً أصرخ به في وجه العالم: كفى! كفى قتلاً لأطفال تعز! كفى حصاراً لمدينة الأحرار! كفى إهمالاً لمدينة هي أم الثوار ومهد الثقافة! كفى صمتاً على جرائم ترتكب كل يوم بحق إنسان هذه المدينة الصامدة! تعز تموت كل يوم أمام أعيننا، ونحن نتفرج. أطفالها يسقطون برصاص القناصة، وبسيول الأمطار، وفي مزابل القمامة، وبأوبئة الكوليرا التي تنهش أجسادهم الصغيرة، ونحن نكتفي بكتابة منشورات على فيسبوك، وبتدوينات على تويتر، وكأن الكلمات وحدها تكفي لإيقاف نزيف الدم، أو لردم مجاري السيول، أو لرفع أكوام القمامة، أو لإنقاذ طفل من براثن وباء قاتل.
يا تعز، يا حالمة الأوجاع، يا من سكن العشق رموشها فصارت قصيدة، كم لي وأنا أنصحك وأزكن، كما قال شاعرك القديم. كم لي وأنا أتغنى بك مع أيوب طارش: تعز مدينتي نعم المدينة، وأبكي على حالك مع كل صباح. كم لي وأنا أستمع إلى أمهاتك الثكالى وهن يودعن أطفالهن الذين ذهبوا إلى مدارسهم ولم يعودوا. كم لي وأنا أرى سيولك تجرف أحلام أطفالك، وقناصة الحقد يصطادون براءتهم، وقمامتك تخنق أنفاس من بقي منهم. كم لي وأنا أتساءل: إلى متى؟ إلى متى تظل تعز هي المدينة التي يدفع أطفالها ثمن الحرية والكرامة من دمائهم وأرواحهم؟ إلى متى يظل العالم يتفرج على مأساتها وكأنها قدر لا مفر منه؟
لا أملك إلا أن أقولها، بكل ما أوتيت من حزن وألم: واااه ثم وااااه عليك يا حالمة. واااه على أطفالك الذين يموتون جوعاً وخوفاً ومرضاً وقنصاً وغرقاً. واااه على تاريخك المجيد الذي يُداس بالأقدام. واااه على حاضرك الجريح، ومستقبلك المسلوب. آه على تعز التي كانت يوماً عاصمة للثقافة، فصارت عاصمة للأحزان والأوجاع والمنسيين. آه على أطفالها الذين يدفنون كل يوم في مقابر جماعية، فيما يكتفي العالم بإحصاء الضحايا وكأنهم مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار. آه على تعز التي قال فيها شاعرها: تعز علينا يا عدينة جنة، نفارقها قسراً وأدمعنا تجري. واليوم، نحن لا نفارقها، بل هي التي تفارقنا، شبراً شبراً، وطفلاً طفلاً، وحلماً حلماً.
في الختام، لا أملك وصفاً أدق ولا أصدق من كلمات أيوب طارش التي ختم بها أنشودته الخالدة: اسمك تعز وشهرتك عدينة، وفي فم التاريخ أحلى مدينة، تشقري بالورد والرياحين، ورددي الأنغام والتلاحين، ياسين عليك في كل حين، ياسين يا حصن أيلول في النضال وتشرين. ولكن كيف لك أن تشقري بالورد والرياحين يا تعز، والموت يحاصرك من كل جانب؟ كيف لك أن ترددي الأنغام والتلاحين، وأصوات الرصاص والقذائف تصم آذان أطفالك؟ كيف يكون اسمك في فم التاريخ أحلى مدينة، وأنت اليوم تدفنين في مزابل الإهمال والنسيان؟ وكيف يكون حصنك لأيلول وتشرين، وأنت اليوم تدفنين أطفالاً اسمهم أيلول في مقابر جماعية، وتستقبلين كل تشرين بمزيد من الدماء والدموع؟
هذا المقال ليس رثاءً لتعز، فتعز أكبر من أن تُرثى. إنه صرخة في وجه كل من يملك قراراً أن يفعل شيئاً. صرخة في وجه السلطات المحلية التي عجزت عن حماية أطفال المدينة من السيول والقمامة والأوبئة. صرخة في وجه الحكومة الشرعية التي تركت تعز وحيدة في مواجهة الموت. صرخة في وجه التحالف العربي الذي يقف متفرجاً على مأساة المدينة التي كانت يوماً درع الجمهورية وحصنها الحصين. صرخة في وجه المجتمع الدولي الذي يدير ظهره لجرائم ترتكب كل يوم بحق إنسان هذه الأرض. صرخة في وجه كل يمني ويمنية: تعز تنزف، فهل من مغيث؟ تعز تموت، فهل من منقذ؟ تعز تستغيث، فهل من مجيب؟ إن لم نتحرك اليوم، فغداً سنبكي جميعاً على أطلال مدينة كانت يوماً أحلى مدينة في فم التاريخ. فلنفعل شيئاً، قبل أن يصبح البكاء على تعز قدرنا جميعاً.
غير أن الصمت وحده هو الذي يجيب.






