حوراء الهميلي ….. حبيبة رباها حبيبها على فقدان قدرتها على الفقد!

قراءة: الناقد محمد العباس:

‏عوّدتَني كلما أشتاق لا أجدُكْ

‏غبْ;

‏إنني لا أكاد اليوم أفتقدُكْ

‏فكم فرشتُ لك الأضلاع خارطةً

‏نقشتها من دمٍ ما حدّهُ جسدُكْ

‏وكم أرحتُ على زنديّ أدمعك ال

‏حرَّى لتجذبني نحو العناق يدُكْ

‏يوما تعود مع الذكرى وتسألني

‏عودي إليّ;

‏وحقّ الحب لا أعدُكْ!

‏في هذا المقطع الشعري تشتغل الشاعرة حوراء الهميلي على مفارقة دقيقة بين الحضور والغياب. بين الوفاء الداخلي والخيانة الهادئة التي يمارسها الزمن على الحب. فالصوت الشعري هنا ليس صوتًا غاضبًا، بل صوت استسلام هادئ، يعبّر عن نضجٍ جريح. إذ ينهض النص على بناء عاطفي متوتر: صوت مُحبّة كانت تتلذذ بطقسَ انتظار الحبيب. إلى أن ينقلب هذا الطقس إلى خواء، أدى إلى حالة من اللامبالاة التي لا يمكن وصفها بالبرود، إنما بالتأقلم مع جرح الغياب الدائم. وذلك هو ما يفسر حرارة المهاد العاطفي للنص. فهو يعتمد على الأفعال بصفتها أدوات انفعالية: أشتاق، أجدك، غِب، أفتقدك، فرشت، نقشت، أرحت. أما اختيار المضارع في الافتتاح: أشتاق، أجدك، فيكثّف اللحظة النفسية ويجعل الغياب حالة مستمرة، لا ذكرى. وعليه، فإن الانتقال إلى الماضي: فرشت، نقشت، أرحت. فيخلق مفارقة بين ما كان وما صار. الذكريات المنقضية مقابل الجرح الحاضر.

‏يفتتح النص بجملة تقريرية “عوّدتَني كلما أشتاق لا أجدك”. وهذه هي الثيمة المركزية للنص، المتمثلة في العادة العاطفية المهددة بالانكسار. حيث يتحول الفعل العاطفي إلى روتين مؤلم: شوق يقابله غياب. والغياب هنا ليس مصادفة بل عادة متأصلة في الحبيب حسب منطق النص. وبموجب ذلك الاختفاء المتكرر يتخلق جرح زمني على درجة من الوضوح.. بحيث يصبح اللاوجود مع الوقت أكثر حضورًا من الشخص ذاته. ولذلك تأتي الجملة اللاحقة كضربة هادئة “إنني لا أكاد اليوم أفتقدك”. وهذه ليست جملة بريئة. بقدر ما تأتي كإدانة بعد أن ربّى الحبيبُ محبوبتَه على فقدان قدرتها على الفقد نفسه. فيما تحوّل الغياب من عقوبة إلى محو. حيث يتأكد هذا المنحى في فعل الأمر “غبْ” الذي يحمل في طياته ما يناقضه دلاليًا، أي الاستسلام لعادة الفقد. وهو فعل يضفي على النص قوة إيقاعية، كأنه تنهيدة تُقفز خارج المعنى.

‏ومن الوجهة الأسلوبية تحول الشاعرة جسد الحبيبة إلى خارطة ألم، وبالتالي فهي مساحة كتابة. فاستخدام الجسد كأداة كتابة: الأضلاع، الدم، الزند، يمنح النص طابعًا حميميًا وعنيفًا في آن، ما يجعل الانفصال أكثر درامية “فكم فرشتُ لك الأضلاع خارطةً ….. نقشتها من دم ما حدّه جسدك”. حيث تتشكل صورة مركّبة ذات طابع سريالي، عندما يتخذ الجسد شكل الأرض أو الورقة، ويصبح الدم مادة الخط أو الرسم. فالأسلوب هنا يعتمد على استعارة مكانيّة: العاطفة تُجسّد، والذات تُعاد صياغتها كحاضنة للآخر. الجسد مساحة انفعالية مرسومة من أجل الآخر.

‏وهنا يتقاطع الامتداد الداخلي “الأضلاع” مع الامتداد الخارجي “الخارطة”. بمعنى أن النص يهندس علاقة جسدية/وجدانية قاسية. المحبوب موجود بحدّه الجسدي الذي يرسم حدود التضحية. فيما تتشكل ذات المُحبّة الشاعرة وفق غياب الآخر. فالنص يقدّم تجربة حبّ غير متوازنة، يصبح فيها الغياب سلطة، والذاكرة مسرحًا للحضور البديل، والجسد دفترًا للوجع. قوّته في أنه لا يصرخ، بل يهمس. وفي هذا الهمس يكمن جوهر الألم. بالنظر إلى أن العلاقة لم تنتهِ بضجيج، بل اهترأت حتى صارت العودة فيها مجرّد احتمال لا وجود له.

‏من ذلك المنطلق تتأتى نبرة الحزن. أي من العناق المؤجل، أو المستحيل “وكم أرحتُ على زنديّ أدمعك الحرّى لتجذبني نحو العناق يدُك”. كأننا أمام ذكرى تُعاد بحنين، لكن الذاكرة نفسها خائنة. اليد التي كانت تجذب الحبيبة نحو العناق هي اليد ذاتها التي لا تعود الآن. إذ يتضمن فعل الجذب حركة حنونة تستحيل إلى وجع بسبب الاستحالة. فيما تتاجج حرارة الدموع مقابل برودة الغياب التي لا تقال لفظًا لكنها تُفهم سياقًا. حيث تستبدل الشاعرة الحضور الفعلي بحضور تذكّري. أي أن الذكريات تصبح البديل عن العاطفة الحيّة “يوماً تعود مع الذكرى وتسألني ….. عودي إليّ؛ وحقّ الحب لا أعدك!”.

‏تلك الجملة الختامية هي لحظة استرداد للكرامة العاطفية. إنها ليست انتقامًا مبيتًا، بقدر ما هي إعلان عن شفاء ناقص. فالشاعرة لا تقول “لن أعود”، بل تقول “لا أعدك”. حيث تتأرجح ما بين الرفض والقبول. وبذلك ترسم مساحة رمادية، مثل علاقة قامت طويلًا على نصف حضور ونصف غياب. وهذا التردد مقصود. فهو صوت شخصٍ يريد التحرّر لكنه ما زال يحمل أثر الارتباط داخل اللغة نفسها. أما الضمير الغائب “أنت” فلا يحضر بوصفه مخاطَبًا حيًا، بل بوصفه غائبًا مُستدعى لغويًا. حيث تتحدث القصيدة إلى شخص غير موجود، وهذه الازدواجية المتمثلة في مخاطبة الغياب تخلق أثرًا أسلوبيًا من الحزن المتحفّظ. بمعنى أن اللغة تعمل كبديل عن اللقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى