رحيل بائع البطاطا الذي أطعم ذاكرة مدينة

عزالدين سعيد الأصبحي :
رحل اليوم في تعز الحاج عبدالله عطير،
أشهر بائع بطاطا في مدينة تعز … وعلى أشهر رصيف في قلب أزقتها.
أجيال متعاقبة مرّت عبر أزقة تعز، المدينة المكتظة بالبهجة، وكان عطير في ركنه الأثير وقدر البطاطا العظيم… محطةً أساسية لا يمكن تجاوزها.
ليس هناك شخص في جيلنا إلا ويعرفه: الرجل البسيط، الطيب، الكريم مع الصغار وهم يمدّون قروشاً قليلة من أجل وجبة بطاطا ساخنة.
ذرعتُ أرصفة كثيرة في العالم، لكن أرصفة تعز لا تغادر شغاف القلب. كتبتُ عنها مجموعات من القصص المنشورة في كتب وصحف متفرقة، ومحطات الذكرى فيها لا تنفد ولا تغادر البال.
قبل سنوات ، كنتُ في بيروت، وفيها ذكريات عمر جميل لا ينسى . أقف في أرصفتها وأتأمل لافتة شهيرة لملك البطاطا في شارع الحمراء، وقلتُ مازحا: هذا عطيرٌ آخر… صديقي في الأرصفة.
وأعود إلى تعز في كل مرة، فأزور أماكن محددة: من باب موسى إلى الباب الكبير. نستعيد وجوها لا تُنسى من حكايات الحاج علي، إلى فول علي مدرة ،وسوق السمسرة، وكل صخب سوق الشنيني وباب المخلولة. ومهرجان الألوان لملابس مزركشة في سوق الجمهورية.
ولمن يعرف أزقة تعز وأهلها، سيتذكر تفاصيل مكتظة بالبهجة؛ تشبه بهاء قباب الأشرفية ومنارة المظفر. سيعرف مهرجان الألوان ، ويمرّ على بائعة خبز هي جزء من المكان، ولا يخرج دون هدايا الجبن وحلوى المشبك… وقبل الجميع: بطاط عطير.
اذكر في نهار شتوي، وأنا في بلجيكا، وقفتُ في طابور طويل من أجل أشهر بطاطا هناك — وما زلت أحتفظ بصورة لي في ذلك المكان. وكانت أهم لحظات السفر في رصيف أوروبي بارد، مع بطاطا ساخنة… وأتذكر معه رصيف تعز والحاج عطير.
اليوم يرحل الرجل البسيط، الذي شكّل جزءًا من ذاكرة مدينةٍ محاصرة بالجنون والخوف والجوع…
لكن رصيفه سيبقى، دافئاً في ذاكرة الذين مرّوا به،كما تبقى المدن حيّةً بأرصفة الطيبين فيها.
لم يكن عطير مجرد بائع بطاطا، بل كان دفءَ رصيفٍ يتيم، وابتسامةَ مدينةٍ تتعب ولا تنكسر.
كان يوزّع الطمأنينة كما يوزّع البطاطا الساخنة، ويمنح الصغار طعم الفرح بثمنٍ لا يُذكر.
وحين يرحل الطيبون، لا تُغلق المدينة أبوابها… بل تترك مقعدهم شاغراً في القلب،
وتظل الأرصفة دافئةً بخطواتهم الغائبة،
كأنهم لم يغادروا… وكأن تعز ما تزال تنتظرهم عند المساء.






