لو عاد علي عنتر اليوم… ماذا سيقول عن تمزيق الجنوب وحلم الوحدة اليمنية؟

مبارك عبدالقادرالشيباني:

في ظل ما تعيشه المحافظات اليمنية الجنوبية اليوم من حالة تفكك مجتمعي خطير، وانقسامات مناطقية حادة، وتدخلات خارجية تسعى بشكل واضح إلى تمزيق اليمن أرضًا وإنسانًا وهوية وجدتني مدفوعًا لكتابة هذا المقال، لا بدافع الحنين فقط بل بدافع القلق على وطنٍ يُستنزف من داخله وبأدوات أبنائه.

أثناء تصفحي لمنصة «يوتيوب»، ظهر لي مقطع وثائقي نادر للشهيد المناضل علي أحمد ناصر عنتر، يتحدث فيه بوضوح وصدق عن واحدية الثورة اليمنية وعن ترابط ثورتي سبتمبر وأكتوبر، باعتبارهما مسارًا وطنيًا واحدًا لا يقبل التجزئة ولا المساومة.

يقول الشهيد علي عنتر في شهادته التاريخية:

«نحن حاربنا جنبًا إلى جنب مع إخواننا في الشمال في حرض ورازح وصرواح، قاتلنا بالرجال والمال والسلاح دفاعًا عن ثورة سبتمبر الأم، واستشهد منا الكثير من الأبطال، كما قاتل إخواننا أبناء الشمال معنا في شوارع عدن والمعلا والضالع وردفان من أجل الاستقلال واستشهد منهم الكثير أيضًا… وكانت تلك هي البداية الحقيقية للوحدة بين الشطرين».

هذه ليست شهادة عابرة، ولا خطابًا سياسيًا مرحليًا، بل إقرار تاريخي صادر عن رجل وحدوي صادق، ومناضل نقي، وبطل لا يحتاج إلى تزكية أو مزايدة، ولا تقبل كلماته الطعن أو التشكيك.

وأمام هذه الشهادة، تساءلت بمرارة:

ماذا كان سيقول علي عنتر لو قُدّر له أن ينهض اليوم من قبره، ويرى من يطالب بالانفصال، ويمارس الإقصاء، ويزرع الكراهية بين أبناء الوطن الواحد؟

وهو الذي عاش وحدويًا سلوكًا وممارسة قبل أن تتحقق الوحدة بعقود، ومعه رفاقه الشهداء: فتاح، شايع، مصلح، وغيرهم من المدنيين والعسكريين الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لهذا الحلم الكبير.

كان الشهيد علي عنتر معروفًا بروحه المرحة، لكنه كان صارمًا وحادًا في مواجهة العبث والاستفزاز، ويعرف ذلك أصدقاؤه وخصومه على حد سواء. ورغم الأخطاء الجسيمة التي ارتُكبت خلال مرحلة الصراع الرفاقي المؤلم منذ الاستقلال وحتى أحداث يناير 1986م إلا أن ما يشفع لهؤلاء القادة هو صدق انتمائهم لليمن وإيمانهم العميق بالوحدة ونزاهتهم الشخصية وبساطة حياتهم، وعفة أيديهم عن المال العام فلم يتركوا قصورًا ولا ثروات بل تركوا تاريخًا وشهادة.

حتى في حربي 1972م و1979م بين شطري اليمن، ورغم دخول القوات الجنوبية إلى مناطق في محافظة البيضاء لم يكن الهدف احتلال الأرض أو تكريس التشطير، بل كان الضغط السياسي من أجل تسريع مشروع الوحدة، والقصاص لاغتيال الشهيد إبراهيم الحمدي، رحمه الله.

وكانت نتائج تلك المواجهات رغم قسوتها اتفاقيات وحدوية صريحة: طرابلس، قعطبة، القاهرة، ثم الكويت، وكلها تحدثت عن اليمن الواحد، لا عن غنائم أو انتصارات شطرية.

لم يكن بين أولئك القادة من اعترض على مبدأ الوحدة، بل كانوا جميعًا يرونها ضرورة تاريخية، ووسيلة وحيدة لحقن دماء اليمنيين وإنهاء عبث التشطير.

اليوم، وأنا أستمع إلى خطاب علي عنتر، أرى المشهد مقلوبًا رأسًا على عقب، خصوصًا في بعض المحافظات الجنوبية العزيزة، وما يحدث من ممارسات مؤسفة في بعض النقاط، ومنع مواطنين يمنيين من التنقل داخل وطنهم، فقط لأنهم من هذه المحافظة أو تلك.

صحيح، هناك اختلالات، وتجاوزات، وفساد، ومعاناة معيشية حقيقية، لا يمكن إنكارها، لكن هل يُعالج الفساد بتفكيك الوطن؟

وهل تُرد المظالم بتمزيق الهوية؟

هؤلاء الفاسدون زائلون، أما الوطن فباقٍ، والتاريخ لا يرحم.

إن الدعوات الانفصالية اليوم، شمالًا وجنوبًالا تخدم إلا مشاريع خارجية ومصالح ضيقة، وأجندات رخيصة، وسيدفع ثمنها البسطاء كما دفعته الأجيال السابقة التي اكتوت بنار التشطير، وحروب الرفاق، والقهر، والجوع، والخوف.

ختامًا

المجد لليمن الكبير

والخلود لشهدائه الأبرار في كل شبر من أرضه

ولن نستبدل جنة الوحدة مهما كانت مثقلة بالجراح بجحيم الانفصال والتطهير والكراهية.

فالوحدة قدر هذا الشعب وهويته ومصيره شاء من شاء وأبى من أبى.

اللهم احفظ اليمن ووحدته ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

ولا نامت أعين الجبناء، ولا عزاء لدعاة التمزيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى