ما الذي يحتاجه طالب الجامعة؟

صابر الجرادي :
درست في تخصُصين، أحدهما علمي والآخر إنساني اجتماعي. ففي اليمن، نذهب إلى الجامعة كما لو أننا نؤدي واجبًا اجتماعيًا لا أكثر.
ومما لاحظته: يحضر الطالب، يدوّن، ينجح، ثم يغادر… وكأن شيئًا لم يحدث.
وبذلك تصير الجامعة مكانًا لا يصنع تحولًا، ولا يعيد تشكيل الإنسان، بل تمر به مرورًا خفيفًا، يلتقط بعض الصور أثناء لك.
وبذلك تمنحك الجامعة شهادة، دون أن تمنحك اتجاهًا، أو حتى فكرة عما يجب أن تفعله بعدها.
وبذلك توصلت لنتيجة: أن المشكلة ليست في غياب التعليم، بل في غياب ما وراءه. والنتيجة: شهادة بلا أثر.
تابعت محاضرة لجامعة Stanford University حول النصائح المهنية في الذكاء الاصطناعي، يتحدث فيها Andrew Ng عن “النسيج الضام وتأثير الأصدقاء والعلاقات.
والذي يريد الرابط يدخل لي، لتلك المحاضرة..
ومما فهمت أن قيمة الجامعة لا تُقاس بما يُقال داخل القاعات،
بل بما يحدث خارجها: في العلاقات، في الصداقات، في ذلك النسيج غير المرئي الذي يربط الناس ببعضهم. وأن تكون الجامعة هي البيئة التي تكون السبب في حدوث ما سبق..
ففي الجامعة هناك، صديق قد يغير مستقبلك،
ومحادثة عابرة قد تختصر عليك سنوات تتلقاها من مختص أوممارس،
وأستاذ واحد قد يفتح لك بابًا لم تكن تعرفه.
أما هنا في اليمن، فيمر الطالب بين مئات الوجوه… دون أن يرتبط بأيٍّ منها. وبذل نتخرج والنتيجة: ندرس وحدنا… ونخرج وحدنا.
جامعة بلا تأثير
المشكلة ليست أن الجامعات اليمنية لا تعلم، بل أنها لا تؤثر.
لا تخلق بيئة تدفعك لتكون أفضل، ولا مجتمعًا أكاديميًا يراك أكثر من رقم في كشف الحضور، وقد يقول أحدهم أن الرواتب سبب في ذلك، مع ذلك طالما وأنت تحضر وتجلس ساعتين في كل محاضرة لماذا ما تكون أنت القدوة والسبب في الغيير، بدل الشرح التقليدي نغيره لشرح علمي، ما أنت قدك تدرس وتحضر..
لأن الطريقة التقليدية يخرج فيها الطالب كما دخل: بنفس الأسئلة، بنفس التردد، وربما بنفس الجهل العملي.
قرأت سابقًا دراسة تتحدث عن فرص التوظيف الإداري والتي توصلت نتائجها: أن الشركات تميل أحيانًا لخريجي الجامعات الخاصة، بحكم البيئة والعلاقات التي تتوفر لهم.
تأثير الأصدقاء
في الإعلام مثلًا، كان تأثير أصدقائي عليّ أكبر من أربع سنوات دراسة.
كانوا الامتداد الحقيقي للتعلم والكتابة الصحفية.
أما في التسويق، فلم أجد من يشاركني المعرفة أو يدفعني للأمام.
تحوّلت العلاقة إلى سطحية: زمالة محاضرة أو صداقة عابرة، بلا مشروع مشترك، بلا طموح متقاطع..
انتهى كثير من الزملاء في وظائف لا علاقة لها بتخصصهم،
بينما من ركزوا على أنفسهم فقط، نجح بعضهم فعلًا.
كأن كل طالب يسير وحده… حتى وهو بين الآخرين.
وهذه نصيحة لمن يدرس حاليًا إما أن تصنع نفسك وحدك… أو تضيع وحدك.
الدكاتره في الجامعة
ليس لأن الدكتور غير قادر، بل لأنه محاصر بمنهج قديم، وبيئة لا تربطه بسوق العمل.
كثير منهم يملك علمًا حقيقيًا، لكنه يعرف أن التغيير ليس سهلًا كما نظن وقد عرفت ذلك، فمن في الإدارات العليا لا يسمحون بذلك لمن لديهم أفكار تجديد وتغيير.
وهكذا يفقد دوره كجسر، ويتحول إلى ناقل معرفة… لا صانع فرص
المشكلة الحقيقية
ليست في الإمكانيات وحده، بل في غياب الفكرة نفسها: أن الجامعات ترفض أي تكاليف تتلطوير مع أنها تجني الكثير من الأموال في التسجيل ولموازي وإلخ..
وغياب الدولة التي ترفد هذه القطاعات التعليمية بمستلزمات التعليم..
ما الذي يمكن أن يتغير؟
في جلسة حوارية مع بعض الأكاديميين، سألني أحدهم: ما الذي يمكن تغييره؟
وفق ما رأيته من تجربتي، وما تعلّمته من الدورات التدريبية التي أجرتها لنا بعض المؤسسات والتي عن بعد أيضًا تتكون في بعض النقاط:
-التحول من التلقين إلى التعلم القائم على حل المشكلات.
-تحويل القاعات إلى مساحات تفاعلية للعمل الجماعي.
-اعتماد التقييم بالمشاريع بدل الامتحانات.
-كسر الحواجز بين التخصصات ودمجها عمليًا.
-إدماج الفشل كجزء من التعلم، لا كشيء يُعاقب عليه.
تخصيص وقت لتنمية المهارات الحياتية والمهنية.-
ربط المقررات بسوق العمل.
-بناء ملف أعمال لكل طالب قبل التخرج.
-تقليل المقررات والتركيز على الفهم والتطبيق.
-إعادة تعريف الجامعة كمُنتِج للفرص لا مانح للشهادات



