متى نُفكر كيمنيين؟

رواها 360 عدن

اسماعيل الصنوي

تأملات في طريق الخلاص من أمراض الفُرقة والتشتت وكيفية الخروج من مأزق سبيل إلى طريق أوضح وأكثر اتساعاً وأمناً، كل صباح في اليمن لا يحمل معه مجرد خبر جديد، بل يضيف سطراً آخر إلى سجل طويل من التآكل البطيء الذي ينهش في جسد هذا الوطن. غير أن السنوات العشر الأخيرة لم تكن امتداداً عادياً لهذا التدهور، بل شكّلت واحدة من أعنف المراحل في تاريخ اليمن الحديث. لم تكن مجرد أزمة سياسية عابرة، بل حرباً مركّبة جمعت بين انقلاب عسكري على شرعية الدولة، وتدخل إقليمي مباشر من تحالف تقوده دول كبرى، وحصار خانق حصد أرواح الملايين بصمت، وانقسام فعلي للدولة إلى كيانات متنازعة، وصعود جماعات متطرفة اغتالت فكرة اليمن نفسها قبل أن تغتال أبناءه.في هذه الحرب، لم تكن الأرقام مجرد إحصاءات باردة؛ أكثر من أربعمائة ألف إنسان فقدوا حياتهم، معظمهم من النساء والأطفال، وملايين شُرّدوا، فيما انهارت مقومات الحياة الأساسية. ومع تكرار هذا المشهد المأساوي، يفرض سؤال نفسه بإلحاح لا يحتمل التأجيل: من الذي هدم اليمن حقاً؟ هل هو العدو البعيد وحده، أم أن أيدينا نحن شاركت أيضاً، بشكل أو بآخر، في هذا الانهيار المستمر؟
الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها، لكنها تظل الأكثر صدقاً، هي أن هذا الدمار لم يأتِ من خارج الحدود فقط. نعم، هناك قنابل لم تُصنع في اليمن، وطائرات لم تقلع من مطاراته، وقرارات حرب اتُّخذت في عواصم بعيدة. نعم، تحوّل اليمن إلى ساحة صراع إقليمي بين قوى كبرى، ودفع اليمنيون جميعاً ثمن ذلك. لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أيادٍ يمنية ساهمت في تعميق الكارثة: من انقلب على الدولة بقوة السلاح، ومن استدعى التدخل الخارجي، ومن قاتل لصالح مشاريع لا تمت للوطن بصلة، ومن حوّل المدن إلى ساحات اقتتال مفتوح. إن فهم ما جرى لا يكتمل إلا بالاعتراف بحقيقتين متلازمتين: تدخل خارجي مدمر، واختلال داخلي سمح له بالتمدد.
ولعل من أبرز نتائج هذه الحرب أنها عمّقت انقساماً لم يكن بهذه الحدة من قبل، خصوصاً بين أبناء الجنوب وأبناء الشمال. بين من رأى في الحرب فرصة لاستعادة كيان سابق، ومن رأى فيها تهديداً لوحدة قائمة، تحولت الخلافات السياسية إلى شروخ اجتماعية، وتحوّل الاختلاف إلى خصومة، وسالت دماء يمنية على يد يمنية تحت عناوين لم تكن بهذا الوضوح قبل عام 2015. وفي خضم هذا كله، ظلت هناك فئة واسعة لم تكن طرفاً في أي صراع: أمهات فقدن أبناءهن دون أن يخترن معركة، فلاحون أنهكهم الجوع تحت الحصار دون انتماء سياسي، أطفال حُرموا من التعليم لأن مدارسهم دُمّرت قبل أن يفهموا معنى الحرب. هؤلاء هم الضحايا الحقيقيون، وهم الأغلبية الصامتة التي دفعت الثمن كاملاً دون أن تكون جزءاً من القرار.
غير أن ما حدث خلال هذه السنوات لم يقتصر على الحرب في صورتها المباشرة، بل أتاح الفرصة لأمراض أقدم أن تتجذر بعمق أكبر. فالحزبية تحولت من وسيلة لتنظيم الاختلاف إلى حالة من التعصب الأعمى، لم يعد فيها الانتصار للقيم أو المبادئ، بل للانتماء ذاته. والمناطقية أعادت تشكيل نظرتنا لبعضنا البعض، حتى أصبح الانتماء الجغرافي معياراً للتقييم، يتقدم أحياناً على الكفاءة والاستحقاق. أما العنصرية، فقد تسللت بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، في صورة تفضيلات غير معلنة، أو أحكام مسبقة، أو ممارسات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تحمل آثاراً عميقة في الواقع. هذه الظواهر لم تولد مع الحرب، لكنها وجدت فيها بيئة مثالية للنمو والانتشار.
وعندما نحاول تفسير عجزنا عن بناء دولة مستقرة رغم توفر الإمكانات، نجد أن جزءاً من الإجابة يكمن في الفارق بين سهولة الهدم وصعوبة البناء. فالهدم قد يحدث نتيجة لحظة اندفاع، أو قرار غير محسوب، أو خطاب تحريضي، أو ضغطة زر من طائرة بعيدة، بينما يتطلب البناء صبراً ممتداً، ووعياً متراكماً، واستعداداً للتنازل عن المصالح الضيقة لصالح المصلحة العامة. خلال السنوات الماضية، برعنا في تضخيم الخلافات وتوسيع فجواتها، وأصبح توجيه اللوم إلى الآخرين بديلاً مريحاً عن مواجهة الذات، لكن نتائج هذا المسار باتت واضحة، ولم يعد من الممكن تجاهلها.
إن إدراك حجم المشكلة، على قسوته، يظل الخطوة الأولى نحو أي مسار إصلاحي. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ فقط من الاتفاقيات السياسية، مهما كانت أهميتها، بل من الأفراد، من أنماط تفكيرهم، ومن اختياراتهم اليومية. يبدأ حين نعيد تعريف علاقتنا بالآخر على أساس إنساني مشترك، لا على أساس الانتماء الضيق، وحين نرفض الخطاب الذي يغذي الكراهية، أياً كان مصدره، وحين نمتنع عن ازدواجية المعايير التي تبرر أخطاء القريب وتدين أخطاء البعيد.
كما أن بناء ثقافة المواطنة لا يتطلب بالضرورة مشاريع ضخمة، بل يمكن أن يبدأ من ممارسات بسيطة لكنها صادقة: جار يتجاوز الانقسام ليسأل عن جاره، أسرة تمد يد العون لمن لا يشبهها، معلم يغرس في طلابه قيمة الاختلاف دون عداوة، وصوت يرفض الظلم أينما كان. هذه الأفعال الصغيرة، حين تتكرر، لا تغيّر الواقع فوراً، لكنها تضع أساساً مختلفاً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع في المستقبل.
إن مسؤولية إنقاذ اليمن ليست حكراً على طرف دون آخر، ولا يمكن تأجيلها بانتظار ظروف مثالية قد لا تأتي. فكل فرد، مهما بدا تأثيره محدوداً، يشارك في تشكيل هذا الواقع، إما بالمساهمة في تهدئته أو في تأجيجه. ومن هنا، يتحول السؤال من البحث عن المسؤول إلى البحث عن الدور: ماذا يمكن لكل واحد منا أن يفعل، هنا والآن، ليكون جزءاً من الحل؟قد لا يكون طريق التعافي سريعاً، وربما لا تظهر نتائجه في المدى القريب، لكن ذلك لا ينتقص من ضرورته. فالأوطان لا تُبنى في لحظة، ولا تلتئم جراحها بقرار واحد. ومع ذلك، ما زالت هناك عناصر قوة يمكن البناء عليها: إنسان قادر على التعلم، وأرض غنية بالإمكانات، وإرث طويل من التعايش رغم كل الانكسارات. وما زالت هناك فئة واسعة لم تنخرط في العنف، واختارت، رغم كل شيء، أن تبقى خارج دائرة القتل.في النهاية، يظل مستقبل اليمن رهناً بالخيارات التي تُتخذ اليوم. فإذا استمرت أنماط التفكير نفسها، فإن الأزمات ستتكرر بأشكال مختلفة. أما إذا بدأنا، ولو بخطوات بطيئة ومؤلمة، في مراجعة الذات، وتوسيع معنى الانتماء، والاعتراف بالأخطاء قبل تحميلها للآخرين، فقد يكون بالإمكان وضع أساس لوطن أكثر تماسكاً وعدلاً. وطن لا يُختزل في حزب أو منطقة، ولا يُقاس بالولاءات الضيقة، بل يُبنى على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن اليمن يتسع لجميع أبنائه، أو لا يكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى