محمود الصبيحي: بورترية خارج سياق التعيين

مصطفى راجح:
لم يحظَى أحد داخل الحزب الاشتراكي بشعبية كتلك التي حظيت بها شخصيتان عسكريتان في بداية التسعينات بعد تحقيق الوحدة، هما من بين الأكثر نزاهة ومبدئية: ماجد مرشد سيف، ومحمود أحمد سالم الصبيحي.
الأول استُشهد في قلب صنعاء، عاصمة دولة الوحدة التي رفع علمها قبل إعلان قيامها، والثاني دار به الزمن حتى انتهى اليوم عضوا في مجلس الرئاسة الثماني. عضوا رئاسياً في مرحلة إنعدام وزن يمر بها البلد بأكمله بعد عشرية تسلسلية من الحروب والتشظيات والمآسي والآلام.
وحتى ما يُقال عن اندفاعه وجرأته لا يُقرأ كخلل في الشخصية، بقدر ما يُفهم بوصفه انعكاسا لنزاهة نادرة واستقامة ميزت شخصيته في كل المراحل.
دار الزمن دوراته، وتبدّلت المسميات، وطُويت مراحل لتُفتح أخرى، وتغيّرت مواقع الأشخاص واتجاهاتهم. ومع ذلك، بقي محمود الصبيحي مثالًا للأصالة الشخصية، محتفظًا باحترام أصدقائه وخصومه على السواء.
صحيح أن اليمن اليوم منقسم، منهك بالحروب والصراعات، غير أن شخصيات من طراز محمود الصبيحي تظل في مرتبة عالية في الوجدان اليمني العام.
أما الصبيحة، لمن لا يعرفها، فقد شكّلوا العمود الفقري لجيش اليمن الديمقراطية قبل الوحدة، ثم لجيش الجمهورية اليمنية بعدها، من دون أن يتلبّسهم شعور بالغبن تلهف غيرهم على الاستحواذ وادعاء الاحقية في النفوذ والقيادة.
استمرّ الصبيحي، في هذا السياق، نموذجًا لجندي الدولة لا جندي السلطة؛ حاضرا حين يستدعى ، وغائبًا عن أسواق المزايدات السياسية في فترات طويلة.
لم يُعرف عنه السعي إلى الواجهة، ولا بناء النفوذ عبر التحالفات العابرة، بل عبر سيرة شخصية مستقيمة، تتقدّم فيها الفكرة على المكسب، والانتماء الوطني على الحسابات الضيقة.
ذهب بعد حرب 94 ليعمل في عمل عادي في الكويت ناسيا اسمه ومكانته. وعاد حين استدعاه علي عبدالله صالح في العام 2008 تقريبا حين اشتد الحراك الجنوبي وبدا يبحث في قوائم الأسماء عمن يمكن ان يستدعيه دون ان يكون محكوما بالعداء او محمولا على الانتهازية الشخصية.
في لحظات الانكسار الكبرى، حين تهاوت مؤسسات الدولة وتفكّكت السرديات الجامعة، ظل اسمه مرتبطًا بمفهوم الجيش بوصفه مؤسسة وطنية لا غنيمة حرب، وبفكرة اليمن الواحد لا كجغرافيا فحسب، بل كمعنى أخلاقي. لم يكن معصوما من الخطأ، ولا مدّعي بطولة، لكن حضوره كان دائما خاليا من الشبهة، وهذا في زمن النزاهة فيه فضيلة نادرة.
لم تُنتج مسيرته ثراءً ولا مراكز قوى، بل أنتجت احتراما عاما يصعب شراؤه أو توريثه. وحين تغيّرت الخرائط، وتقدّم من لا تاريخ لهم إلى الصفوف الأولى، ظل الصبيحي واقفا في المسافة التي تفصل بين الدولة بوصفها فكرة جامعه، والسلطة بوصفها ممارسة يختلط فيها الكرسي بالمخاتلة في رأس الحالي عليه. لذلك لم يُحسب يوما على مشروع انقسام، ولا استُخدم اسمه لتبرير غلبة طرف على آخر.
وجوده اليوم في مجلس الرئاسة ليس تتويجًا لمسار شخصي بقدر ما هو استدعاء متأخر —في الوقت مابعد الضائع— لمعنى غاب طويلًا: معنى ان تكون النزاهة مؤهلا سياسيا.
وفي بلد أنهكته الأصوات العالية ، تبقى الشخصيات الهادئة، مثل محمود الصبيحي، تذكير مهم بأن ما يبقى بعيدا عن التلف هو السيرة المعبرة عن الأصالة الشخصية. السيرة التي تحرس نفسها ولا تتطلب من صاحبها ان يكرس كل جهده لحراستها




