مدينة الظلام

د. أمين عبدالخالق العليمي:
في أرض بعيدة، لم يكن للزمان فيها ميزان ولا للأيام رصيد، قامت مدينة سُمّيت بين أهلها بـ مدينة الظلام، مدينة غريبة يظلم أهلها أنفسهم قبل أن يظلمهم غيرهم.
كلما جاءها صبح، أطفأته بأيديها، وكلما أطل عليها نور، غطته بسحب من جهلها، حتى غدت عمياء لا تبصر طريقها.
ومن قلبها خرج ثوارٌ أحرار، رفعوا راية التحرير من الاستبداد والفقر والجهل والمرض، ونادوا بالعدالة والكرامة، لكن المدينة ناكرتهم، أكلت أبناءها، شرّدتهم ونكّلت بهم، حتى غدوا غرباء في أرضهم، ثم علا صوت البكاء والشكوى، وكأنها لم تكن هي من صنعت مأساتها بيديها.
أطلّ عليها قائد حكيم، جاء يحمل مشروع بناء حقيقي، أراد أن ينقل إليها تجربة دولة القانون والنظام، فمدّ إليها جسور الأمل، لكن الأيادي الغليظة حالت دون عودته، وعندما زار دولة شقيقة بوفد رفيع، وهناك أُغلقت في وجهه الأبواب، ومنعته الموامرات والأقدار بانقلاب عليه من العوده، فتحوّل من زعيم مأمول إلى لاجئ سياسي، يراقب وطنه وهو ينحدر نحو الهاوية.
ثم أتاها رجل آخر، جاء مدعوماً من الجيش الذي كان احد اعمدته وقادته وبدعم دولة شقيقه وجاره.
كان صريح الرؤية، قوي العزيمة، فالتفت حوله جماهير الشعب الحيّ، فنهض بالمدينة ورفعها من بين الركام، لكن لأن في أرض الظلام لا يُسمح للنور أن يكتمل، اغتالته يد الغدر، وبكاه الشعب بعد أن قتلته أياديه.
وبعده بزمن يسير، بزغ قائد ثالث، رجل حكم على رؤوس الثعابين كما وصف ذلك هو نفسه، واجاد اللعب على المتناقضات، وساس البلاد بحكمة وصبر يُفتت الصخر، ولفتره طويله طويله جداً.
وعندما حاول أن يُرسخ بناء الدولة المؤسسية، وأن يُسلّم الحكم لصندوق الشعب، لكن الدولة العميقة لم ترُق لها لعبته، صنعت ثورة بلا فكر ولا هدف، شعارها الوحيد: “يسقط النظام”، لكنها لم تحصد إلا الفوضى، ومن رمادها خرج سيد الكهف، رجل لا يرى إلا نفسه وعائلته، حتى أسرته لم تكن تنال منه سوى عبء المصير، فزاد المدينة ظلاماً فوق ظلام.
وفي لحظة غدر أخرى، سقط ذلك القائد أيضاً، ثم جاءت الانقلابات والحروب، حتى تحولت المدينة إلى ساحة دمار وخراب.
لكن كما يولد الربيع من بين قسوة الشتاء، وُلد من رحم التجربة الطويلة قائدٌ جديد، لم يأتِ من فراغ، بل من مدرسة الدولة ذاتها، جاء هادئاً، صبوراً، ذكياً، محنكاً، يعرف دهاليز السياسة كما يعرف دهاليز وطنه، رجل جمع بين العلم والدهاء، وبين الصبر والحكمة، لم يرفع صوته، لكنه أعاد لبلاده صوتها في أروقة الأمم المتحدة، وحرّك دبلوماسيتها النائمة، ورتّب قضائها المتهالك، وأعاد لهيبة الدولة مكانتها، واعاد الامل للشرفاء والوطنيين، بعد ان كانت المدينة مؤهله ومرشحه من جديد لحرب اهلية، وللجيش اوجد غرفة عمليات واحده ومشتركه، وحد مصدر الامر لتحرك الجيش وعملياته، وبكل هدوء متجاهلاً له الاعلام بعمد وبقصد وارادة لكنه لم يابه لذلك، فهو هدفه واضح وطن.
وجد الاقتصاد ميتاً، بلا أرضٍ مستثمرة ولا رأس مال مُدار، بلا موارد محرّكة ولا إنتاج قائم، لا موارد لا نفط ولا اي معيار من معايير النجاح ووجود الدولة.
فبدأ من الصفر، يصنع اقتصاداً من العدم، يحرك الموارد، ويستنهض البشر، ويناشد ويسعي الي الاشقاء والاصدقاء من الدول، ويزرع الثقة في العروق اليابسة، لم يكن وحده، لكن من كان هدفه بناء الدولة وجد فيه رفيقاً وصديقاً، ومن كان تاجر سلاحٍ أو فسادٍ أو مضاربات، وجده خصماً عنيداً.
جن جنون الدولة العميقة، ذلك الأخطبوط المتربص، لكنها لم تتركه، حشدت تجار السلاح والمخدرات، وتجار الحروب وغاسلي الأموال، وحركت الإعلام المأجور، وأعلنت حرباً هستيرية ضده، وضد حكومته ورئيس وزرائه، الذي عمل هذا القائد علي ايجاده والبحث في وسط الكفاءات عليه، وادار معركة شرسه لاتقل عن بقية المعارك فتكاً بالوطن ومن اجل تنصيبه رئيساً للوزراء لانه راي فيه رجل الدولة الشقيق والرجل النزيه والشريف الذي يحلم بان يكون احد اعمدة دولته المخذولة من ابنائها انفسهم، وليكن الي جانبه نصير الدولة ومعين الوطن والمواطن.
وهنا كان السؤال الكبير:
هل سيلتف حوله أبناء الوطن الشرفاء، ويعضدونه ليكمل بناء الدولة المنشودة؟
أم أن المدينة ستكرر مأساة نفسها، فتظلم نفسها مرة أخرى وتغدر بالقائد كما غدرت بمن سبقوه؟
لقد كُتب تاريخ مدينة الظلام بسطرين متناقضين:
شعب يقتل من ينقذه، ثم يبكي عليه،
وقادة يولدون من رماد الفوضى، ثم يُدفنون في مقابر الخيانة،
أما المستقبل، فكان معلقاً على خيط رفيع، بين نور قائدٍ صبورٍ يحمل مشروع الدولة، وبين ظلام دولة عميقة لا تعرف إلا مصالحها .