مذهب الفقه الإسلامي في جباية الزكاة

القاضي د. محمد عبدالجليل الأهدل:

انقسم الفقهاء في مسألة تدخل الدولة (ولي الأمر) في الجباية إلى رأيين أساسيين، وكلاهما يجد انعكاسًا في القوانين الحديثة :

مذهب الجواز والوجوب: (الزكاة حق لولي الأمر):

ذهب جمهور الفقهاء المالكية، الشافعية، والحنابلةإلى أن للإمام (الدولة) الحق في جباية الأموال الظاهرة (كالزروع والأنعام) جبرًا.

أما الأموال الباطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة، ففيها تفصيل:

حيث يرى الكثيرون أن الأصل فيها إيكالها لأمانة المكلف، إلا إذا رأى ولي الأمر مصلحة في جبايتها لضمان وصولها لمستحقيها أو عند خشية ضياع حق الفقراء.

مذهب التفويض : الأصل في الأداء الإختيار:

يرى بعض الفقهاء أن الزكاة عبادة ذات شقين (مالي وتعبدي)، والأصل أن يباشر المكلف أداءها بنفسه ليتحقق معنى القربة، ما لم تطلبها الدولة لتغطية حاجات الفقراء الملحة.

أي الدول تتفق مع جمهور الفقهاء؟

إذا نظرنا إلى واقع القوانين العربية التي أوردناها، في مقالنا السابق نجد أن التوافق مع مذهب الجمهور يتجلى كالتالي:

1. الأنظمة الإلزامية (اليمن، السعودية، السودان):

تعتبر هذه الدول الأقرب تطبيقًا لمذهب الجمهور من حيث الأصل، لكونها تتبنى قاعدة أن ولي الأمر هو النائب عن الفقراء في طلب حقوقهم.

في القانون اليمني والسعودي:

يتم تبني رأي الفقهاء الذين أجازوا لولي الأمر جباية الأموال الباطنة (عروض التجارة) تنظيمًا للمجتمع،
وهو رأي قوي عند المتأخرين من الفقهاء لمواجهة تعقد الأنشطة الاقتصادية الحديثة.

2. الأنظمة الاختيارية (الكويت، الإمارات، الأردن):

تتفق هذه الأنظمة مع الرأي الفقهي الذي يركز على الجانب التعبدي للزكاة، حيث تترك للمكلف حرية إختيار القناة التي يثق بها، وهو ما يتوافق مع الأصل في الأموال الباطنة عند كثير من السلف.

الموقف الفقهي من المستجدات (المهن الحرة، والشركات):

ما ذكرحول زكاة المهن الحرة والشخصية الاعتبارية للشركات يمثل تطبيقًا لما يُعرف بـ الإجتهاد المقاصدي
وسيتم بيانه في نقطتين:

– زكاة المهن الحرة كسب العمل:

تتفق القوانين اليمنية والسودانية هنا مع مذهب الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ومعاوية بن أبي سفيان، ورأي عمر بن عبد العزيز في إخراج الزكاة من المال المستفاد فور قبضه، وهو ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي المعاصر لتحقيق العدالة بين صاحب الأرض الذي يزكي زروعه وصاحب الدخل المرتفع الطبيب والمهندس.

– الشخصية الاعتبارية:

اتفقت المجامع الفقهية المعاصرة على أن “الشركة” تُعامل معاملة الخيط الواحد خلطة المال وهو اجتهاد حديث يتسق مع القواعد الفقهية الكلية التي تنظر للمال كمجموعة نامية واحدة.

الخلاصة:

يمكن القول بأن القانون اليمني وقانون المملكة العربية السعودية هما الأكثر حسمًا في إتباع مذهب الجمهور الذي يرى ضرورة تدخل الدولة لتنظيم الفريضة، وذلك لضمان كفاية الفقير وهو المقصد الأسمى من الزكاة، بينما الأنظمة الأخرى تميل إلى الإحتياط للجانب التعبدي الفردي.

القاضي.د/ محمد عبد الجليل عبد الله الأهدل.

24 رمضان 1447 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى