لماذا نعتاد المأساة في اليمن؟

إجلال البيل :
في اليمن، لا تموت القضايا فجأة، بل تخفت تدريجياً. تنزلق من مقامها المصيري إلى هامش اليومي، حتى تصبح جزءاً من الضجيج المعتاد. كأن المأساة، مع تكرارها، تفقد قدرتها على الإدهاش، أو كأن المجتمع المنهك لم يعد قادراً على إبقاء جرح واحد مفتوحاً وسط هذا الفيض المتلاحق من الأوجاع.
يتجلّى هذا المشهد بوضوح في ملف المعتقلين داخل سجون الحوثي. تبدأ القضية بهبّة تضامن أولى، وحملات إلكترونية، وأسماء تتردّد بدهشة واستغراب، وصور تملأ الشاشات. ثم يبدأ الخفوت رويداً رويداً، إلى أن يحل الصمت، وتتحول القضية إلى ذكرى مؤجلة، بانتظار أزمة جديدة تعيد تشغيل دورة الاهتمام المؤقت.
هذا التراجع لا يعني انعدام التعاطف، بقدر ما يكشف عن غياب الفعل. فالتضامن الشعبي، على جماله ونُبله، يظل هشاً حين لا يجد دولة تحمله، أو مؤسسة تدافع عنه، أو قوة سياسية قادرة على تحويله إلى ضغط حقيقي. فالدولة الغائبة، أو المُغيَّبة، لا تنتزع حقاً، والمجتمع الدولي يتعامل مع المأساة باعتبارها ملفاً إضافياً ضمن قائمة طويلة من الأزمات المتزاحمة.
يواصل الصحافيون والحقوقيون والنشطاء محاولاتهم عبر الكتابة والتوثيق وإطلاق النداءات، وتنظيم حملات المناصرة، وتقديم دعم محدود لعائلات المعتقلين. غير أنّ هذه الجهود، مهما صدقت نواياها، تصطدم بسقف منخفض لا يسمح بتجاوز دائرة التعاطف إلى مساحة التأثير. وحتى النقابات والهيئات المدنية، التي يُفترض أن تمتلك وزناً أكبر، تبدو اليوم محاصرة بضعفها، فلا تملك سوى بيانات سرعان ما تتلاشى في ضجيج لا يرحم.
في اليمن تتراكم القضايا حتى تفقد استثنائيتها. وتتحول الكوارث إلى تفاصيل، والمعاناة إلى خبر يومي لا يثير سوى قدر محدود من الانتباه، قبل أن يُستبدل بغيره
ولا تقتصر هذه الحالة على ملف المعتقلين وحده. ففي اليمن تتراكم القضايا حتى تفقد استثنائيتها: انهيار اقتصادي، انقطاع للخدمات، صراعات سياسية، وتآكل مستمر للمؤسسات. تتحول الكوارث إلى تفاصيل، والمعاناة إلى خبر يومي لا يثير سوى قدر محدود من الانتباه، قبل أن يُستبدل بغيره.
ولا يبدو هذا المشهد تعبيراً عن برود أخلاقي، بقدر ما يعكس حالة إنهاك جماعي. مجتمع مثقل بالجراح، عاجز عن الوقوف طويلاً أمام ألم واحد، لأن الآلام متداخلة ومتلاحقة. وحين تُستنزف القدرة على الغضب، يصبح البحث عن محتوى أخف، أو أقل إيلاماً، مجرّد آلية دفاع للبقاء.
فالقضايا لا تعيش بالوجدان وحده، بل تحتاج حاملاً قوياً يحميها ويدفع بها نحو الفعل. وفي غياب هذا الحامل، تتفتت كما يتفتت الضوء عبر زجاج مكسور، بلا اتجاه وبلا أثر متماسك.
لا ينسى اليمنيون قضاياهم بقدر ما يتغافلون عنها قسراً. يتراجعون خطوة عن الألم، لا لأنهم تخلّوا عنه، بل لأنهم يعيشون فوق أرض تبتلع الصرخات العالية، وتكسر الأصوات قبل أن تبلغ مداها. وحين تخفت موجات التضامن، فذلك ليس انسحاباً من الوجدان، بل محاولة للبقاء وفق معطيات بائسة، واعترافاً مُرّاً بأن الصوت، ما لم يجد قوة تحمله وتحميه، سيظل جميلاً ومعلّقاً في الهواء.




