الصراعات في اليمن: حين فشلت الدولة في تمثيل المجتمع

أحمد محمد لقمان:
لم يعرف اليمن، في تاريخه الحديث، صراعًا عابرًا أو أزمةً طارئة، بل عرف مسارًا طويلًا من الاضطراب السياسي يكاد يكون السمة الثابتة الوحيدة . غير أن النظر إلى هذه الصراعات بوصفها مجرد تنازع على السلطة أو نتيجة لتدخلات خارجية يُبقي التحليل في سطحه، ويغفل جوهر المشكلة: فشل الدولة اليمنية، قبل الوحدة وبعدها، في تمثيل ألوان طيف المجتمع اليمني تمثيلًا عادلًا وشاملًا.
دولة بلا عقد اجتماعي
في جوهرها، لم تتأسس الدولة في اليمن على عقد اجتماعي واضح يحدد علاقة السلطة بالمجتمع، بقدر ما تشكّلت كسلطة أمر واقع. في الشمال، بعد ثورة 1962، لم يُستكمل مشروع التحول من نظام الإمامة إلى دولة مواطنة، إذ بقي النفوذ القبلي والعسكري مهيمنًا على المجال السياسي، وتحولت الجمهورية إلى غطاء شكلي لتحالفات ضيقة لا تمثل المجتمع بقدر ما تدير توازنات القوة داخله.
أما في الجنوب، فقد قامت دولة مركزية ذات مشروع أيديولوجي واضح، سعت إلى بناء مؤسسات حديثة وتفكيك البنى التقليدية، لكنها أخفقت في استيعاب التعدد السياسي والاجتماعي، واحتكرت التمثيل باسم الحزب الواحد، ما أدى إلى صراعات داخلية عنيفة كشفت حدود الدولة الأيديولوجية حين تعجز عن إدارة الاختلاف.
وهكذا، دخل اليمن إلى مشروع الوحدة عام 1990 بدولتين تعانيان أصلًا من أزمة تمثيل، لا بدولتين ناضجتين قادرتين على إنتاج دولة جامعة.
وحدة بلا شراكة
جاءت الوحدة اليمنية بوصفها حلمًا وطنيًا كبيرًا، لكنها تحققت كاتفاق نخبوي أكثر منها مشروعًا مجتمعيًا. لم تُبنَ الوحدة على حوار وطني شامل، ولا على إعادة صياغة لهوية سياسية مشتركة، بل جُمعت مؤسستان سياسيتان مختلفتان داخل دولة واحدة دون تفكيك أسباب التوتر الكامنة فيهما.
سرعان ما تحولت الخلافات إلى صراع مفتوح، وجاءت حرب 1994 لتشكّل لحظة الانكسار الكبرى، حيث حُسمت الوحدة بالقوة، لا بالتوافق، وتحولت الدولة من إطار شراكة إلى أداة غلبة. منذ ذلك الحين، لم تعد الدولة اليمنية تمثل مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل سلطة مركزية تحتكر القرار والثروة، وتعيد إنتاج الإقصاء بأشكال جديدة.
الصراع المؤجَّل يعود
لم تُنهِ حرب 1994 الصراع، بل أجّلته. فالتهميش السياسي والاقتصادي، خصوصًا في الجنوب، وتآكل مفهوم المواطنة المتساوية، مهّدا لعودة الاحتجاجات بأشكال مختلفة. وعندما اندلعت ثورة 2011، لم تكن سوى تعبير عن تراكم طويل لفشل الدولة في تمثيل المجتمع والاستجابة لمطالبه.
غير أن الانتقال السياسي تعثر، وعادت النخب التقليدية لتتصدر المشهد، بينما تقدّمت الهويات الفرعية – المذهبية والمناطقية والجهوية – على حساب الهوية الوطنية. وفي هذا السياق، برزت قوى جديدة قدّمت نفسها بوصفها ممثلة للمهمّشين، لكنها سرعان ما أعادت إنتاج منطق الإقصاء ذاته، مختزلة المجتمع في هوية واحدة، ومكرسة صراعًا جديدًا على تعريف الدولة.
صراع على الدولة لا داخلها
ما يميز الحالة اليمنية أن الصراع فيها ليس داخل دولة مستقرة، بل على الدولة نفسها: من يملكها؟ ومن تعبر عنه؟ كل سلطة نشأت ادّعت تمثيل اليمنيين، لكنها في الواقع مثّلت جزءًا منهم فقط، وحكمت الآخرين بالقوة أو التهميش. ولهذا تتكرر الصراعات كلما حاول طرف فرض تعريفه الخاص للدولة بوصفه التعريف الوحيد الممكن.
أفق مختلف
إن الخروج من الدوامة اليمنية لا يبدأ بوقف إطلاق النار فحسب، بل بإعادة طرح السؤال الجوهري: أي دولة نريد؟ دولة الغلبة أثبتت فشلها، كما فشلت الدولة الأيديولوجية والدولة الهشة. ما يحتاجه اليمن هو دولة شراكة، تعترف بتعدده الاجتماعي والسياسي، وتدير هذا التعدد ضمن عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
من دون ذلك، ستظل الصراعات تتكرر، وستظل الدولة غنيمة يتنازعها الأقوياء، لا بيتًا يتسع لجميع اليمنيين.




