الحزم في وجه العبث بالدولة اليمنية – قرار فصل البحسني

كتب البروفيسور أيوب الحمادي:

فخامة الرئيس إن قرارَكم بفصل البحسني من منظومة الدولة ليس مجرد خطوةٍ إدارية، بل موقفٌ وطنيٌّ صريح في وجه العبث بمفهوم الدولة اليمنية وهيبتها. فمن يتهاون في الدستور والسيادة والجغرافيا والثوابت لا يُحاور، بل يُحاسب، لأنّه لا توجد دولة في التاريخ تجعل دستورها، وسيادتها، وجغرافيتها، وثوابتها مجرّد “وجهة نظر للنقاش”. من يفعل ذلك إنما يفرّط في شرف الدولة وينقض ميثاقها ويهدم أركانها حجرًا بعد حجر، وهو يظن أنه يُصلِح. اليوم يستطيع الأخ البحسني او غيره أن يعبّر عن رأيه كما يشاء، ولكن ليس تحت مظلة الدولة اليمنية، التي يعيش في ظلّها ثلاثة وأربعون مليون يمني يريدونها دولة يمنية واحدة على كامل ترابها – دولة المواطنة والعدل، لا دولة الابتزاز والمصالح الضيقة والارتهان.


فخامة الرئيس، لو سألت مستشاريك الملمين بتجارب الأمم، لحدثوك عن تركيا التي كانت تُسمى “الرجل المريض” بعد الحرب العالمية الأولى؛ عاصمتها محتلة، وجيشها منهار، وأرضها مقسّمة بمعاهدة “سيفر” المذلة. لكن رجلًا واحدًا، مصطفى كمال أتاتورك، امتلك الشجاعة ليقلب الموازين، فطرد المحتل وأسّس جمهورية قوية نراها اليوم تناطح الكبار. وفي ماليزيا، لم يختبئ مهاتير محمد خلف الأعذار حين تسلّم بلدًا مثقلًا بالفقر والصراعات، فوضع رؤية وطنية طموحة – رؤية 2020 – وحوّل ماليزيا من مزارع مطاط إلى “نمرٍ آسيوي” يصنع ويصدّر التكنولوجيا للعالم. أما في سنغافورة، فقد بكى لي كوان يو يوم طُردت بلاده من الاتحاد عام 1965، ولم تكن تمتلك حتى مياه الشرب، لكنه جعل من تلك الجزيرة الصغيرة – التي هي أصغر من نصف مديرية “ذباب” أو “الشمايتين” في تعز – مركزًا ماليًا عالميًا يفوق اقتصاد اليمن بثلاثين ضعفًا.


وحين سقطت باريس بيد النازيين، كان شارل ديغول مجرد جنرال بلا جيش ولا أرض، لكنه لم يتردد؛ أطلق نداء 18 يونيو وبنى “فرنسا الحرة” بصموده السياسي حتى استعاد وطنه ومقعده الدائم في مجلس الأمن. وفي ألمانيا، استثمر هلموت كول لحظة سقوط جدار برلين بذكاء استثنائي ليقنع القوى الكبرى بوحدة ألمانيا، فحوّلها من بلدٍ نصف مشلول إلى القائد الاقتصادي لأوروبا. وكذلك فعل بارك تشونغ هي في كوريا الجنوبية، إذ نهض ببلاده من تحت أنقاض الحرب والفقر إلى مصافّ الأمم الصناعية الكبرى بانضباطٍ حديدي وإرادة لا تلين. وفي الصين دينج شياو بينج هو الرجل الذي وضع حجر الأساس للصين التي نراها اليوم كقوة عظمى. استلم السلطة بعد “الثورة الثقافية” التي تركت الصين في حالة فوضى اجتماعية واقتصادية عارمة، مع مجاعات وفقر وتخلف تقني كبير. أطلق سياسة “الباب المفتوح” والإصلاحات الاقتصادية عام 1978. بمقولته الشهيرة “لا يهم لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران”، نقل الصين من الانغلاق الأيديولوجي إلى الانفتاح الرأسمالي المدروس، مما أدى لانتشال مئات الملايين من الفقر.


فخامة الرئيس، لا تُصغِ لمن يقول إن المرحلة تقتضي “التأني”، فالواقع يصرخ: لا تأجيل بعد اليوم. المملكة العربية السعودية اليوم تقف في الخندق، تدعم اليمن وشرعيته بكل ثقلها، وسموّ الأمير محمد بن سلمان قائد لا يعرف التراجع. وكان الأمر واضح للجميع فالعالم العربي والإسلامي، ومعهما المجتمع الدولي، يقفون مع حماية الدولة اليمنية من مشاريع العبث ومحاولات استهدافها. وإن السلاح الحقيقي للعظماء كان دومًا، الكرامة الوطنية (ديغول)، الانضباط (بارك تشونغ)، الصلابة والبلاغة (تشرشل)، والواقعية (دينغ شياو بينغ).


فخامة الرئيس، هناك اليوم وزراء وسفراء ونواب ووكلاء وزارات وقيادات عسكرية وأمنية وغيرهم، مثل البحسني، يعلنون علنًا أنهم “انفصاليون” وينمقوا كلامهم، في تحدٍّ واضح لمفهوم الدولة والدستور، وضربٍ لليمين الدستورية والالتزام الوطني عرض الحائط. ومع ذلك، نرى المجلس مترددًا في التعامل معهم كما يقتضي القانون. إن قوتكم الحقيقية اليوم تكمن في هيبة الدستور وميزان العدالة، وفي مؤسسات الدولة اليمنية التي ما زال الشعب اليمني يؤمن بها ويقف خلفها.


إن التاريخ لا يرحم المترددين، والشعب لن يغفر لمن جعل من “الحكمة” ذريعةً للعجز. اختر يا فخامة الرئيس موقعك من بين قادة التاريخ: فإما أن نقف معكم لاستعادة الدولة وفرض سيادتها، أو ننتظر جميعًا الانهيار الشامل. لقد علمتنا دروس تشرشل وديغول ولي كوان يو وغيرهم أن القلة التي تملك الحق والحزم وتتحرك تحت منظومة الدستور  والقيم الاخلاقية والوطنية هي التي تصنع الأوطان.


إن القائد العسكري وموظف الدولة يجب أن يكن حارس للدولة وليس اداة هدم أو ارتهان يحكمه القانون والدستور، وليس من حقه ممارسة ديمقراطية انتقائية أو العبث بوحدة الوطن. ومن أراد أن يعارض الدولة أو ينفصل عن مشروعها الوطني، فليترك منصبه، لأن الوظيفة العامة أمانة من أموال الشعب لا تُمنح لمن يخالف ميثاقها. فالدولة ووظائفها ليست دارًا للرعاية الاجتماعية، بل منظومةٌ لحماية القانون والدستور والمجتمع وصون هيبة الوطن ووحدته. استمرّ على نهجك، فالله معك، والمخلصون لليمن معك، واليمن تبقى البداية والنهاية – لا شيء قبلها ولا بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى