حين تقود الحكمة وطناً يطأ الجمر..
قراءة من قلب نزاري في مدرسة رشاد العليمي القيادية.

د. أمين عبدالخالق العليمي

ليس القائدُ مَن يراقصُ السيف في الساحات، أو مَن يوزّع الوعودَ كما توزَّع المنشورات في مهبّ الريح..
القائد.. هو ذاك الذي يمسكُ الوطن بقلبٍ يرتجفُ حباً، وبيدٍ صلبةٍ كالإيمان، يمشي به فوق نيرانِ الفتنة، دون أن يسمح لطرفِ ثوبه أن يحترق، او يتمزق،
حين سطر “هنري كيسنجر” فلسفة القادة الستة الذين صنعوا التاريخ، لم يكن يبحث عن سوبرمان الأساطير، بل عن أولئك الذين أدركوا في لحظة الصفر أن الحكمة أحياناً أعلى صوتاً من المدافع، وأن الصمت المدروس هو أبلغ خطابٍ في زمن الصخب،
وفي اليمن.. هذا الجسد الذي أنهكه النزيف، وتكسّرت في خاصرته نصالُ الإخوة والأعداء، تتجلى مدرسة رشاد محمد العليمي،
إنها قيادةٌ لا تصرخ.. بل تفكّر، ولا تزايد.. بل تتحمّل،
لقد استلم السفينة وهي مثقوبة من القاع، بحّارتها منقسمون على وجهة الريح، وأمواجها تتطاول على الخشب المتعب، لم يقل: انا المنقذ الوحيد ، بل قال بلسان الدولة: “نحن المسؤولون”،
اختار طريق الواقعية المُرّ، لا لأنه الأسهل، بل لأنه الدرب الوحيد الذي لا يغدر بالتاريخ،
رقصة التوازن على حافة الهاوية:
في مدرسة التوازن، حيث السياسة رقصةٌ خطرة على حافة المستحيل، تعلّم العليمي كيف يشدّ الحبل دون أن يقطعه، وكيف يرخيه دون أن يفلت الوطن، رفض أن تتحول الخلافات العابرة إلى أوطانٍ صغيرة، أو أن تصبح الانقسامات راياتٍ بديلة،
كان يدرك بحدس القائد أن الجمهورية لا تُحمى بالحناجر الجوفاء، بل بالقدرة على لمّ الشمل تحت سقف الخطر الواحد،
وكما راهن “لي كوان يو” على النظام قبل الشخوص، راهن العليمي على “المؤسسة” همس للجميع دون أن يتكلم:
القائد يمضي، لكن الدولة يجب أن تبقى.. والمليشيا لا تنكسر إلا حين تلطم وجهها بجدار القانون،
مواجهة الإعصار.. بعقل الدولة
ثم جاء الإرهاب.. ذلك الزائر الأسود الذي لا يطرق الأبواب بل يقتحم الأرواح،
جاء ليختبر الأعصاب ويقيس صلابة القرار، فما ارتجفت البوصلة، وما انفلت الزمام، واجهه العليمي بـ “عقل الدولة” لا بـ “غضب اللحظة”، بحكمةٍ تعرف أن الدم لا يغسله الدم، بل تطفئه العدالة، وأن الخوف لا يرحل إلا حين يشعر الناس بظلّ دولةٍ تحميهم،
اليمن..  لا تقبل القسمة
وفي قلب هذا المخاض، كانت الوحدة هي البوصلة.. لا كشعارٍ بارد يُعلّق على الجدران، بل كقدرٍ لا يُساوم عليه،
كان يدرك أن تمزيق اليمن ليس مجرد خطوطٍ تُرسم على الخرائط، بل هو كسرٌ في العمود الفقري للروح،
ولو استعرنا عباره من عبارات نزار قباني، لقلنا بصوته في حضرة هذا المقام، وبلهجته الواثقة:
“اليمنُ ليس حقيبةَ سفرٍ نوزعها..
ولا هو مشروعُ انفصالٍ نوقّعه..
اليمنُ امرأةٌ واحدة..
إذا انقسمت نصفين.. ماتَ العشاقُ جميعاً”،

التاريخ لا يخلّد أسماء من أشعلوا الحرائق، بل يحفر بماء الذهب أسماء من مشوا في قلب النار ليخرجوا أوطانهم سالمة، ورشاد العليمي، في زمن الضجيج، يمارس القيادة كـ “فعل إيمان” لا كـ “استعراض سلطة”، ليكتب لليمن فصلاً جديداً.. حبره الحكمة، وورقه صبر الرجال، وإيمانه الذي لا يلين،

رُفعت الاقلام وجفت الصحف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى