من شرارة الكذبة إلى سجن الاكاذيب
لماذا يختار الإنسان أن يعيش في الزيف؟!

رواها 360 اسماعيل الصنوي عدن
الكذب لا يبدأ كنار كبيرة تلتهم كل شيء في طريقها، بل يبدأ كشرارة صغيرة يُظن أنها ستنطفئ بسهولة، إنسانٌ يكذب مرةً خوفاً من عقاب، أو طمعاً في منفعة، أو هرباً من موقف محرج، وفي تلك اللحظة، لا يرى سوى المخرج المؤقت الذي وفّرته له تلك الكذبة، لكنه نادراً ما يتوقف ليرى الشبكة المعقدة التي بدأ في نسجها حول نفسه وحول علاقاته بالعالم. الكذبة الأولى هي الأصعب على الضمير، لكنها الأخطر على النفس، لأنها تكسر حاجز الصدق. فبعدها تصبح الكذبة الثانية أسهل، والثالثة أسرع، وهكذا ينساب الإنسان في منحدر خطير، ينسلخ فيه تدريجياً عن صورته الحقيقية، ويبني لنفسه شخصية وهمية تعيش على أكاذيب متراكمة. هنا تتحول المشكلة من كونه يكذب على الآخرين، إلى كونه يبدأ في تصديق أكاذيبه بنفسه، فيفقد الاتصال بحقيقته وينفصل عن واقعه. على المستوى الاجتماعي، الكذب لا يفسد ثقة الآخرين في الشخص فحسب، بل يهدم أسس العلاقات الإنسانية برمتها. فهو كالسرطان الخفي: ينمو في صمت، ويُضعف نسيج الثقة الذي تقوم عليه العائلات والصداقات والمجتمعات. مجتمع تغيب فيه مصداقية الكلمة يصبح مجتمعاً مبنياً على الرمال، حيث يسود الشك، وتتعطل التعاملات، ويسقط معنى الالتزام. فمن يضمن اتفاقاً أو وعوداً في عالم تزييف الحقائق؟ولعل أعظم الخسائر هي الخسارة الداخلية: سلام النفس. فالكاذب يعيش في قلق دائم من انكشاف أمره، ويستهلك طاقة هائلة في حفظ رواياته الملفقة ومراقبة تفاصيلها. وهو بذلك يحكم على نفسه بالسجن في زنزانة من صنعه، حيث يصبح الحراس هم أفظاعه هو، والخوف من الحقيقة هو القيد الذي لا يفارقه. في هذه النقطة، يصبح الكذب عقاباً ذاتياً قاسياً، يدفع ثمنه الكاذب بوحدة نفسية وفراغ روحي، حتى لو نجح في خداع كل من حوله. لذا، فإن اختيار الصدق، رغم صعوبته أحياناً، ليس مجرد فضيلة أخلاقية مجردة، بل هو في الحقيقة قرار بالحياة في حرية. حرية من عبء الاختفاء خلف أقنعة، وحرية من خوف الانكشاف، وحرية في بناء علاقات حقيقية تقوم على أساس متين. الصدق قد يكلفنا أحياناً موقفاً صعباً أو اعترافاً مُربكاً، لكنه في النهاية هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن لنا سلاماً داخلياً لا يقدر بثمن، وعلاقات لا تهتز عند أول اختبار. فالحقيقة قد تؤلم للحظة، ولكن الكذب يؤذي مدى الحياة.






