رسالة مواطن يحلم بالسلام

رواها 360 اسماعيل الصنوي عدن م
انا واطن يمني أكتب اليوم لا بصفتي فردًا، بل بصفتي صوتًا صغيرًا من ملايين الأصوات التي أنهكتها الحرب ولم تعد تطلب أكثر من حقها الطبيعي في الحياة، في الأمان، في الاستقرار، في أن تستيقظ صباحًا دون خوف، وأن تنام ليلًا دون قلق، وأن ترى أطفالها يكبرون في مدارس لا في مقابر، وفي ملاعب لا في مخيمات نزوح، لأن ما نعيشه منذ سنوات لم يعد صراعًا سياسيًا ولا خلافًا عابرًا، بل أصبح استنزافًا بطيئًا لروح وطن كامل، وتآكلًا يوميًا لمعنى الإنسان داخلنا. لقد تعبنا من الحرب لا لأنها طويلة فقط، بل لأنها بلا أفق، بلا نهاية واضحة، بلا منتصر حقيقي، وكل يوم تستمر فيه لا يضيف شيئًا لأي طرف، بل يخصم من أعمارنا، من صحتنا النفسية، من مستقبل أطفالنا، من قدرتنا حتى على الحلم، حتى صار الأمل نفسه عبئًا نخجل من التمسك به في واقع يصر على خذلاننا. نحن لا نعيش أزمة خدمات فقط، ولا أزمة اقتصاد فقط، بل نعيش أزمة وجود، أزمة جيل كامل ولد في الحرب، وكبر في الحرب، ولا يعرف من الوطن إلا صور الدمار، ولا من السياسة إلا صوت السلاح، ولا من المستقبل إلا سؤالًا غامضًا بلا إجابة، جيل لم يُمنح فرصة ليختار، بل فُرض عليه أن يتكيف مع الألم كأنه قدر طبيعي لا يُناقش. ومع ذلك، ورغم كل هذا الخراب، ما زلنا نؤمن أن السلام ممكن، لا لأن الواقع يشجع عليه، بل لأن البديل عنه هو الفناء البطيء، ولأن استمرار القتال لم ينتج إلا مزيدًا من القبور، ومزيدًا من الأرامل، ومزيدًا من الأطفال الذين يحفظون أسماء الأسلحة أكثر مما يحفظون أسماء الألعاب. لقد أثبتت السنوات الماضية حقيقة لا تحتاج إلى تحليل عميق: لا أحد انتصر في هذه الحرب، الجميع خاسرون بدرجات مختلفة، والخسارة الكبرى لم تكن أرضًا ولا نفوذًا ولا منصبًا، بل كانت الإنسان اليمني نفسه، كرامته، أمنه، ثقته بالمستقبل، وإحساسه بأن له مكانًا طبيعيًا في هذا العالم. ومن هنا يصبح السلام ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية، ليس شعارًا رومانسيًا، بل شرطًا للبقاء، ليس مطلبًا مثاليًا، بل الحد الأدنى لأي حياة يمكن أن تُسمى حياة، لأن وطنًا بلا سلام لا يمكن إصلاحه، ولا يمكن تعويض خسائره، ولا يمكن بناء دولة فوق أنقاض النفوس المكسورة. السلام لا يعني النسيان، ولا التنازل عن الحقوق، ولا تبرير الأخطاء، بل يعني شجاعة الاعتراف بأن الاستمرار في القتل لم يعد بطولة، وأن العناد لم يعد موقفًا، وأن القوة الحقيقية لم تعد في فوهة البندقية بل في القدرة على إيقافها. نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن مدينة فاضلة، نحن فقط نريد أن نعيش كبقية البشر، أن نخطط لمستقبل لا ينهار في أول انفجار، أن نربي أبناءنا على الأمل لا على الخوف، أن نختلف دون أن نقتل، وأن نتصالح لأن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من الانقسام.لهذا أكتب هذه الكلمات لا كسياسي، ولا كناشط، ولا كخبير، بل كمواطن بسيط تعب من تبرير الألم، ومل من الاعتياد على المأساة، ويرفض أن يسلم بأن الحرب قدر أبدي، لأن اليمن لا يحتاج معجزة، بل يحتاج فقط قرارًا شجاعًا بالسلام، قرارًا يعيد للإنسان مكانته، وللوطن روحه، وللحياة معناها. فالسلام ليس حلًا مثاليًا، لكنه الحل الوحيد الممكن، وليس طريقًا سهلًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن نسير فيه، لأنه الطريق الذي لا ينتهي بمقبرة، بل بوطن حي.






