استعادة أصول الدولة في المحافظات المحررة: من إدارة النفوذ إلى سيادة القانون

ورقة سياسات/ بقلم: د. نادين الماوري
لا يمكن قراءة الجدل الدائر حول المقرات والمؤسسات في العاصمة المؤقتة عدن بمعزل عن السياق الأعمق لأزمة الدولة في اليمن. فالمسألة لم تعد إدارية أو عقارية بحتة، بل تحولت إلى مؤشر سيادي يكشف حجم التداخل بين الكيانات السياسية ومؤسسات الدولة، ودرجة هشاشة الحوكمة المؤسسية في المحافظات المحررة، وفي مقدمتها عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى.
لقد أفرزت سنوات الحرب واقعًا استثنائيًا توسّعت فيه ظاهرة استخدام المباني الحكومية والمنشآت العامة كمقار سياسية أو إدارية خارج الإطار القانوني المنظّم، في ظل غياب جرد وطني دقيق لأصول الدولة، وضعف الرقابة المؤسسية، وتعدد مراكز القرار داخل الجغرافيا المحررة. ونتيجة لذلك، لم تعد الدولة تواجه فقط تحدي استعادة الأرض، بل تحدي استعادة مؤسساتها وهيبتها القانونية.
إن جوهر الإشكالية ليس في توصيف الإجراء على أنه “إغلاق” أو “مصادرة”، بل في سؤال أكثر عمقًا: هل تمتلك الدولة سجلًا قانونيًا واضحًا لأصولها، ومن يشغلها، وبأي سند قانوني؟ فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الأمر الواقع، بل بمنطق السند القانوني الموثّق، حيث لا يجوز الانتفاع بأي منشأة حكومية أو عامة دون عقد قانوني أو قرار تخصيص رسمي صادر عن جهة مختصة. وأي إشغال خارج هذا الإطار يُعد خللًا إداريًا قابلًا للتقويم لا صراعًا سياسيًا بحد ذاته.
إن استمرار هذا الوضع في عدن تحديدًا يعكس أزمة ازدواج السلطة المؤسسية، حيث تتداخل الوظيفة الحكومية مع النفوذ السياسي، وتتحول بعض المنشآت السيادية إلى أدوات نفوذ بدلًا من كونها أدوات خدمة عامة. هذا النمط لا يهدد فقط كفاءة الإدارة، بل يقوّض مفهوم الدولة ذاته، ويفتح الباب أمام نشوء “مؤسسات موازية” داخل بنية الدولة الرسمية، وهو أحد أخطر مظاهر الدول الهشة في مراحل الانتقال السياسي.
وعليه، فإن المعالجة الجزئية أو الانتقائية لملف المقرات لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة. الحل الحقيقي يقتضي انتقالًا من ردود الفعل الإدارية إلى إصلاح مؤسسي شامل يستند إلى قرار سيادي واضح يعيد ضبط أصول الدولة في المحافظات المحررة، ويؤسس لمرحلة الحوكمة القانونية بدل إدارة التوازنات السياسية داخل المؤسسات.
في هذا السياق، يصبح إصدار قرار سيادي من مجلس القيادة الرئاسي بتقييم وتقويم جميع مؤسسات الدولة وأصولها في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى خطوة مفصلية، ليس فقط من زاوية تنظيم الممتلكات، بل من زاوية استعادة السيادة المؤسسية للدولة. على أن يتضمن القرار تشكيل لجنة عليا وطنية لجرد أصول الدولة، ومراجعة سندات الانتفاع، وتصحيح أوضاع الإشغال غير القانوني، مع تسوية قانونية عادلة للحالات المرتبطة بممتلكات خاصة تم استخدامها خلال ظروف استثنائية.
التنفيذ العملي لهذا المسار يجب أن تقوده رئاسة مجلس الوزراء بوصفها الجهة التنفيذية المختصة بتحويل القرارات السيادية إلى إجراءات مؤسسية، من خلال تعميمات ملزمة للوزارات، وتشكيل لجان فنية وقانونية، ومتابعة أداء السلطات المحلية. وفي الميدان، تبرز وزارة الإدارة المحلية كجهة محورية لإعادة ضبط الأداء الإداري في المحافظات الأربع، بحكم اختصاصها في الإشراف على السلطات المحلية وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات، وضمان توحيد المرجعية المؤسسية داخل الدولة.
كما أن نجاح عملية التصحيح المؤسسي يتطلب تكاملًا إلزاميًا مع وزارة المالية لضبط مستحقات الدولة وتقييم أي التزامات مالية ناتجة عن سنوات الانتفاع، ووزارة العدل لضمان المسار القانوني في حالات النزاع أو الإخلاء، ووزارة الداخلية لتأمين تنفيذ القرارات دون انزلاق أمني، إضافة إلى الأجهزة الرقابية المختصة لمراجعة المسؤوليات الإدارية التي سمحت بحدوث هذا التداخل المؤسسي خلال السنوات الماضية.
أما على المستوى الإقليمي، فإن البدء بعدن بوصفها العاصمة المؤقتة ومركز القرار الإداري يتيح خلق نموذج تصحيحي يمكن تعميمه تدريجيًا على حضرموت والمهرة وسقطرى، مع مراعاة خصوصية كل محافظة من حيث البنية الإدارية وطبيعة النفوذ المحلي. فحضرموت تتطلب مقاربة حوكمة مالية وإدارية متوازنة، بينما تحتاج المهرة إلى تعزيز المرجعية المؤسسية للدولة، في حين تكتسب سقطرى أهمية سيادية مضاعفة تتطلب حصرًا دقيقًا للأصول الحكومية وحمايتها ضمن إطار قانوني واضح.
إن مفهوم “الضرب بيد من حديد” في هذا السياق لا ينبغي أن يُفهم كإجراء أمني أو سياسي، بل كصرامة قانونية مؤسسية قائمة على القرارات المكتوبة، ومحاضر الاستلام والتسليم، وفترات تصحيح الأوضاع، وتطبيق القانون دون انتقائية أو تسييس. فالدولة التي تستعيد مبانيها دون أن تستعيد نظامها القانوني لن تستعيد سيادتها الفعلية، بل ستدخل في دورة جديدة من الصراع الإداري المقنّع.
إن المخاطر المترتبة على استمرار الفوضى المؤسسية في إدارة أصول الدولة تتجاوز البعد الإداري لتصل إلى تهديد وحدة القرار السيادي، وترسيخ مراكز نفوذ داخل مؤسسات الشرعية، وإضعاف ثقة المواطن في الدولة ككيان منظم وقادر على إدارة موارده ومؤسساته. ومن هنا، فإن تصحيح وضع المؤسسات في المحافظات المحررة يمثل خطوة استراتيجية في مسار إعادة بناء الدولة، وليس مجرد إجراء تنظيمي محدود.
خلاصة القول إن معركة استعادة المقرات هي في جوهرها معركة استعادة الدولة ذاتها؛ فالدولة لا تُقاس بانتشار سلطتها الأمنية فقط، بل بقدرتها على فرض السند القانوني، وترسيخ الحوكمة المؤسسية، ومنع أي كيان – مهما كان – من العمل خارج إطار القانون. وعندما تُدار المؤسسات بمنطق القانون لا بمنطق النفوذ، تنتقل الدولة من مرحلة الهشاشة إلى مرحلة التعافي السيادي، وهو المسار الذي يجب أن تنطلق منه عملية تصحيح الأوضاع في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى بوصفها ركيزة استعادة الدولة اليمنية الحديثة.
د. نادين الماوري
معركة وعي | بناء الدولة واستعادة السيادة المؤسسية
23/فبراير/2026






