مساء الحرية يا صنعاء…مساء الحب أيّها العالم

محمد المياحي:

أنا شخص لديه مهمة وحيدة بهذا الوجود. أود مشاركة العالم ما أؤمن به. أن أقول للناس : كيف أرى الحياة لا أود مغادرة هذا العالم قبل أن أختبر  معهم رؤيتي تجاه هذا الوجود الرهيب. إنني أراها مختلفة عن تلك الرؤية المشاعة في الجو العام. لا يمكن أن تكون الحياة هي هذه الصورة المعمّمة قسرًا. من أبسط تفصيلة ؛ حتى أخر فكرة. من عالم الشهادة؛ حتى العوالم المحجوبة. آراها مختلفة. وسأقضي حياتي  من أجل هذه الغاية. وهي غاية لا يمكن أن تتحقق؛ دون دفاع صارم عن الحرية. هذه الكلمة التي دوخت العقل البشري منذ الأزل. لا يمكن العيش دونما انتزاع التزام صارم بها. من أي سلطة تتحكم بمصيرنا العام. حينما أرتفع فوق التفاصيل الصغيرة، وأتأمل كيف هو اليمني، كيف هو الإنسان بهذه البقعة من العالم؛ مقارنة ببقية البشر؛ أشعر بالذهول. عندها أكون على استعداد أن أفدي الناس بروحي. أن أتمسّك بالدفاع الصارم عن حرية الإنسان ولو كان الثمن مغادرة هذا العالم.

الآن وفي أولى لحظات حريتي، أدرك أن الحرية هي كل شيء. هي أنت. بدون الحرية أنت حيوان تأكل وتشرب وتنام ولا تعي من وجودك ؛ سوى قشرته الخارجية. ماذا عن الخلاصة الكليّة لتجربتك في السجن..؟ على الصعيد الشخصي؛أظُّنها معجزة متكاملة. لقد عرفت نفسي؛ عرفتها جيدًا . بكل ما في المعنى من ذهول ومهابة. كلمة، كلمة وخلية خلية، أعدت بناء وجودي كله. هي أخصب فترة فكرية عشتها، بل وتجربتي الحقيقية الوحيدة بالحياة. إنها كل شيء. الفترة المركزية بحياتي. وإنطلاقًا منها تأسست نظرتي للعالم كله. حدّ إعتقادي أنني لم أكن موجودًا قبل هذه التجربة. أو لعلّ ما عشته فيما مضى، مجرد بروفة طفولية، مناوشات بسيطة بينك وبين العالم.

نعم. من منظور واقعي قد أكون خسرت كل شيء؛ لكني ربحت نفسي. ربحت هذه ” العافية الكبرى” هذا الوضوح في الرؤية، ما أستشعره من ثبات عجيب. أنا ما أنا عليه الآن؛ متنازلًا لكم عن كل ما تعرفوه مسبقًا عني. لم تزدني الأحداث؛ سوى وعي أعمق بالقوة الهائلة التي تستوطن الإنسان. تلك الشفرة السرية في أعماقه ومتى نجح بملامستها ورعايتها؛ يمتلك قوة صمود. لا حدود لها. يستطيع مواجهة أقسى ضربات الزمان وكأنه لم يواجه شيئًا. يدفع أشد الأهوال عن نفسه بجهد ضئيل؛ بل ويفعل ذلك بخفة روح ومرح.

عرفت نفسي، وعرفت الله. اختبرت وجوده بشكل شخصي.لا أدري هل هذا هو وقت مناسب للحديث عن أمر كهذا. لكن الأمر أشبه بتجربة ديكارت وأبو حامد الغزالي. ويقال هناك تقاطع في بعض مساحات تجربتهما. عرفت الله وعشت فترة تصوّف عالية. حفظت أجزاء واسعة من القرآن وحاولت أنجز ما يشبه مسودّة ” تفسير فلسفي للقرآن” لجانب هذا؛ كتبت ما يتجاوز 1200 ورقة في السجن. في مواضيع متفرقة: الأدب والفلسفة وعلم النفس. وعرفت شعبي، عرفت اليمنيين من مختلف مستوياتهم. عايشتهم وتحدثت معهم كثيرًا. ذلك أن السجن” صورة مصغّرة لليمن الكبير” وأعترف أني لم أكن أعرف اليمني قبل هذه التجربة. عرفت اليمنيين وأحببتهم وأحاطوني بمحبتهم داخل السجن كما خارجه.

حظيت بمعاملة طيبة لحدّ ما؛ غير أن السجن ليس عنوان للفخامة أو مكانًا للرفاهية. يظلّ نقيضًا كاملًا للحياة. كما أحب التنويه أنني سأتفرغ لمشروعي الكتابي. وحين يكن الظرف مناسبًا سأطل عليكم من صفحتي الشخصية. كما لا أستطيع الرد على إتصالاتكم أو اللقاء بأحد.

شكرًا لكم جميعًا.. شكرًا لعمار، شكرًا لعمار، شكرًا لعمار الأهدل..شكرًا للأستاذة رضية والأستاذ رشيد الفقيه ومنظمة مواطنة. وشكرًا قبل أي شخص لسيدة نساء العالمين” يسرى المياحي” المرأة التي لم تتوقف لحظة واحدة عن العناية بي وأنا داخل السجن. بل وجعلتني أحيا ك”ملِك” حتى وأنت في قاع الجحيم. شكرًا لكلّ من وقف جواري وجوار أسرتي. وشكرًا لكل كلمة كتبها كل إنسان طوال فترة سجني. لا تدرون كم هي الكلمة أعظم من الكون بكاملة. تلك الكلمة التي لا تضع لها بالًا وتقولها باسترخاء تام ؛ هي أشد رهبة وأثر عند أي حدث وموقف. كنت مؤمنًا بقداسة الكلمة. وزدت إيمانًا بها حدّ الجاهزية للموت دفاعًا عنها. عن الكلمة، الحرية.

مساء الحربة يا صنعاء…مساء الحب أيّها العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى