حرب بلا حسم: كيف تحولت الضربة الخاطفة إلى استنزاف مفتوح

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي

م تكن تلك الحرب الخاطفة التي وُعد بها العالم، ولا الضربة القاضية التي بشر بها المخططون العسكريون. فمنذ انطلاق العملية المشتركة في أواخر فبراير 2026، بدا واضحًا أن الصراع يتجه في مسار مختلف تمامًا؛ مسار لا تحسمه السرعة، بل تفرضه القدرة على التحمّل. بدلًا من انهيار سريع للقدرات الإيرانية، أظهرت البنية العسكرية، خاصة المنشآت المحصنة تحت الأرض المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، درجة عالية من الصمود. وتشير تقديرات متعددة إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء معتبر من قدرتها الهجومية، وهو ما سمح لها بمواصلة الضغط بوتيرة غير متوقعة. في المقابل، بدأت ملامح الاستنزاف تظهر على الطرف المقابل، خصوصًا في أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، التي تُستهلك بوتيرة أسرع مما يمكن تعويضه، ما اضطر القوات الأمريكية إلى إعادة تموضعها بعيدًا عن نطاق التهديد المباشر. غير أن التعقيد الحقيقي لم يكن في الميدان وحده، بل في التباين الاستراتيجي داخل التحالف نفسه. فبينما تنظر إسرائيل إلى الحرب كفرصة تاريخية لإحداث تغيير جذري في بنية الدولة الإيرانية، تميل واشنطن إلى مقاربة أكثر حذرًا، تبحث عن إضعاف دون الانزلاق إلى فوضى شاملة. هذا التباين خلق توترًا غير معلن، حيث تدفع إسرائيل نحو التصعيد، في حين تحاول الولايات المتحدة ضبط الإيقاع، مدفوعة بحسابات اقتصادية وسياسية داخلية، أبرزها تأثير أسعار الطاقة على الداخل الأمريكي. وفي ظل هذا الانقسام، وجدت قوى كبرى مثل الصين وروسيا مساحة للتحرك؛ فبكين واصلت استيراد النفط الإيراني بأسعار مخفضة وعززت حضورها الدبلوماسي كوسيط محتمل، بينما استخدمت موسكو الحرب كورقة ضغط في مفاوضاتها مع الغرب بشأن أوكرانيا، مما زاد من تعقيد المشهد الدولي. في المقابل، لم تدخل إيران الحرب بردّ فعل عشوائي، بل باستراتيجية واضحة تقوم على تحويل الصراع إلى معركة استنزاف طويلة. وكان سلاحها الأكثر فاعلية هو الاقتصاد، عبر التأثير على أحد أهم شرايين العالم: مضيق هرمز. فتعطيل الملاحة بشكل انتقائي، وفرض واقع جديد على حركة الطاقة، أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، انعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، من الوقود في الغرب إلى سلاسل الإمداد والغذاء في آسيا. وهنا لم تعد الحرب عسكرية فقط، بل تحولت إلى اختبار لقدرة العالم على تحمّل تبعاتها. وعلى عكس كثير من التوقعات، لم يؤدِ الضغط العسكري إلى تفكك داخلي سريع في إيران. بل على العكس، ساهمت الحرب في خلق حالة من التماسك المؤقت، حيث أعاد النظام ترتيب نفسه، مستفيدًا من منطق التهديد الخارجي (العدوان الخارجي) لتوحيد الجبهة الداخلية، ولو مرحليًا. أمام هذا المشهد المعقد، يمكن تصور أربعة مسارات محتملة لنهاية الصراع. أولها هدنة شاملة ومستقرة، تتضمن تفاهمات واسعة حول الأمن الإقليمي والملاحة، إلا أن هذا الخيار يبدو بعيدًا في ظل تمسك كل طرف بشروط قصوى. ثانيها، وهو الأقرب، هدنة هشة تتوقف فيها العمليات الكبرى دون أن تنتهي جذور الصراع، لتبقى المنطقة في حالة توتر دائم. أما الثالث، فهو استمرار الحرب بالوتيرة الحالية، وهو مسار مرهق للجميع، يصعب استدامته اقتصاديًا وعسكريًا. ويبقى السيناريو الأخطر هو الانزلاق نحو تصعيد شامل، قد يشمل استهداف البنى التحتية الحيوية وتوسيع رقعة الحرب إقليميًا. ورغم أن هذا الخيار يحمل كلفة باهظة قد تصل إلى حرب إقليمية مفتوحة، إلا أنه قد يصبح ممكنًا إذا شعر أي من الطرفين أن الأوراق الأخرى استُنزفت دون تحقيق أهدافه الاستراتيجية، أو تحت ضغط الجمود الداخلي. في ضوء هذه الاحتمالات، تبدو النهاية الأكثر واقعية هي تسوية غير مكتملة، تفرضها الضغوط الدولية أكثر مما تصنعها إرادة الأطراف. لكن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها. فالمنطقة ستخرج منها بإعادة تشكيل عميقة في توازناتها؛ دول الخليج التي وقفت على الحياد طوال الفترة الماضية قد تتجه نحو سياسات أكثر استقلالية في تأمين ممراتها الملاحية، مستفيدة من انشغال القوى الكبرى. وإيران ستجد نفسها بين خيارين صعبين: المضي نحو تعزيز ردعها بأقصى حد، ربما عبر التسريع نحو السلاح النووي، أو الانفتاح القسري لتخفيف الضغط الاقتصادي إذا شعرت أن الاستنزاف تجاوز قدرتها على التحمل. أما إسرائيل، فستواجه حقيقة أن الحسم العسكري الكامل لم يعد خيارًا سهلًا، وستحتاج إلى إعادة بناء مخزونها الاستراتيجي ومراجعة عقيدتها الأمنية. والولايات المتحدة، التي أنهكتها الحرب في منطقة تريد الخروج منها، ستضطر إلى إعادة تقييم دورها، وسط تراجع نسبي في النفوذ لصالح قوى إقليمية ودولية جديدة دخلت على خط الوساطة وإعادة الإعمار. في المحصلة، لا يبدو أن هذه الحرب ستنتهي بانتصار واضح لأي طرف، بل بمرحلة من الهدوء المسلح، حيث يتوقف القتال دون أن يتحقق السلام. مرحلة يعيد فيها الجميع حساباتهم، مدركين أن القوة وحدها لم تعد كافية لحسم صراعات بهذا التعقيد، وأن ما يُكسب في الميدان قد يُستنزف في السياسة والاقتصاد. الشرق الأوسط بعد هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها؛ ربما يكون أكثر فوضوية، لكنه أيضًا أكثر وعيًا لدى جميع الفاعلين بأن معادلات الردع القديمة لم تعد صالحة، وأن الأمن الإقليمي بات رهينًا بتوازنات أكثر هشاشة ومرونة في آن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى