الصحافة والبيئة الإعلامية في اليمن: بين الحرب والاستهداف

صابر الجرادي:

يشهد اليمن تدهورًا غير مسبوق في حرية الصحافة، حيث يبرز كواحد من أخطر البيئات الإعلامية عالميًا. وثّق تقرير صادر عن الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابة الصحفيين اليمنيين 127 انتهاكًا ضد الإعلاميين في عام 2025 وحده، بما في ذلك مقتل 16 إعلاميًا وصحفيًا. وتصنف منظمة مراسلون بلا حدود اليمن في المرتبة 154 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، مما يعكس استمرار تدهور البيئة الإعلامية. تتجاوز الانتهاكات الحوادث الفردية لتصل إلى مستوى الاستهداف الممنهج، حيث يتعرض الصحفيون للاعتقال التعسفي، التعذيب، والتهديد بالإعدام في مناطق سيطرة أطراف النزاع المختلفة. يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على هذه الانتهاكات، وتقديم شهادات حية من الصحفيين المتضررين، بالإضافة إلى الدعوة لتدخل دولي عاجل ومحدد لحماية الصحفيين وضمان مساءلة مرتكبي الجرائم.

تدهور حرية الصحافة واستهداف الصحفيين:

تعد البيئة اليمنية بيئة بالغة الخطورة، حيث تتفاقم التحديات المهنية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي تحاصر الصحافة . وتؤكد بيانات محلية ودولية أن حرية الصحافة في اليمن تمر بأسوأ مراحلها في تاريخها الحديث، في سياق حرب ممتدة ومعقدة ، بات الصحفيون فيها أكثر الفئات عرضة للانتهاكات(1)(2). فعمل الصحفي صار أكثر من مجرد ناقل للاخبار، بل صار عمله في كثير من الأحيان اشبه باختبار يومي عن قدرته بالاستمرار في ظل ما يحيط به من مخاطر وتهديدات مستمرة.
والاحصائيات تظهر هذا التدهور غير المسبوق في حرية الصحافة في اليمن. فوقثًا لتقرير صادر عن الاتحاد الدولي للصحفيين من خلال تعاونهم مع نقابة الصحفيين اليمنيين، تم توثيق 127لاإنتهاكًا ضد الإعلاميين ووسائل الاعلام في اليمن خلال 2025، شمل التقرير حالات قتل، واعتداءات واعتقالات وتهديدات. من بين هذه الانتهاكات ، قُتل 16 إعلاميًا وصحفيا في سياق النزاع(1). في ذات السياق فقد صُنفت اليمن في المرتبة 154 من أصل 180 في مؤشر حرية الصحافة العالمية لعام 2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود(2) وهذا الترتيب يعكس التدهور المستمر في البيئة الإعلامية في اليمن.
في سياق متصل، فقد وثقت منظمة صحفيات بلا قيود في تقرير صادر في يناير 2026 ما لا يقل عن 75 انتهاكًا ضد الصحفيين خلال عام 2025، بما في ذلك عمليات الخطف والمحاكمات والاعتقالات والتهديدات(5). وتشير بيانات نقابة الصحفيين اليمنيين إلى توثيق أكثر من 2000 انتهاك لحرية الصحافة منذ اندلاع الحرب في 2015، شمل التقرير مئات حالات الاعتقال والتعذيب، وأكثر من خمسين حالة قتل، بالإضافة إلى إغلاق عدد كبير من المؤسسات الإعلامية(6). هذه الأرقام تؤكد صعوبة البيئة اليمنية المعادية للعمل الصحفي ، وتجعل ممارسة المعنة الصحفية مهنة محفوفة بالمخاطر.

انتهاكات ممنهجة لتكميم الافواه

تتجاوز الانتهاكات في اليمن مجرد الحوادث الفردية لتصل إلى مستوى الاستهداف الممنهج” فوفقًا لتقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش (HRW) صدر في سبتمبر 2025 بعنوان “اليمن: صحفيون تحت الهجوم”، كشفت المنظمة عن الفظائع التي يواجهها المعتقلون في السجون، ينقل التقرير عن سلطات السجون قولها للصحفيين المفرج عنهم: “نحن نتقرب إلى الله بتعذيبكم”، وهذه إشارة واضحة إلى شرعنة العنف ضد الكلمة لدى الصحفي. وقد وثّقت المنظمة حالات تعذيب وحشي شملت الضرب بالكابلات، والصعق، والحرمان من النوم، والتهديد بالإعدام. ويضيف التقريرر وفقًا لحقوقيين دوليين، فإن الهدف من هذه الممارسات ليس مجرد معاقبة الصحفي، بل خلق حالة من “الرعب الجماعي لردع أي محاولة للتحقيق المستقل في قضايا الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان(3).

شهادات حية

لا تكتمل صورة المشهد الإعلامي في اليمن دون الاستماع إلى أصوات أولئك الذين دفعوا ثمن الكلمة من حريتهم وسلامتهم الجسدية. تتعدد الجهات المنتهكة، لكن المعاناة تظل واحدة:

في “رسالة ردع وتخويف” يروي الصحفي ماجد زايد تفاصيل اعتقاله في صنعاء في سبتمبر 2025، حيث تم اقتياده من قبل مسلحين دون أي مذكرة قانونية. يقول ماجد: “كانت الساعات الأولى صعبة ومليئة بالغموض، خاصة مع المرض الذي كنت أعانيه. تم التحقيق معي حول عملي الصحفي ومصادر معلوماتي، واتهموني بالتحريض. طُلب مني توقيع تعهدات تتعلق بعملي الإعلامي، وتعهد بعدم ممارسة الصحافة. ولهذا غادرت اليمن، ولا يزال العمل الحر تحديًا اليوم”(8).

“الصحفي أخطر من المقاتل في الجبهة”: عاش الصحفي محمد الصالحي تجربة أكثر قسوة، بدأت باعتقاله في أكتوبر 2018 من مدينة الحديدة، حيث قضى خمس سنوات في عدة سجون مختلفة. يصف لحظات التحقيق قائلاً: “تم التحقيق معي وأنا معصوب العينين، وكانت الأسئلة تتركز حول الجهة التي أعمل لها. عندما قلت لهم إنني مجرد صحفي، قالوا: هذه تهمة أكبر، لأن الصحفيين أخطر من الذين نواجههم في الجبهات، وقاموا بضربي وشتمي”. ويكشف لنا عن الصالحي عن أنواع التعذيب التي تعرض لها قائلًا: “مارسوا معي سياسة التجويع والإهمال الطبي، والتعذيب الجسدي مثل الصعق بالكهرباء والضرب على المناطق الحساسة، والتعليق. حتى بعد صدور حكم الإفراج عني، تم نقلي إلى سجن آخر وقضيت سنتين إضافيتين(8).

“الملاحقة أو الرقابة الذاتية”: شهادة من مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في الجانب الآخر، لا يبدو الوضع أفضل حالًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا. يتحدث صحفي يعمل في مدينة مأرب (فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية) عن الضغوط التي يواجهها: “الاعتقال ليس الخطر الوحيد، بل هناك منظومة كاملة من التضييق. تم استدعائي أكثر من مرة من قبل الجهات الأمنية بسبب منشورات على فيسبوك تنتقد أداء السلطة المحلية أو غياب الخدمات. قيل لي بوضوح: نحن في حالة حرب، وأي انتقاد يخدم العدو. ويضيف: “زملاء لنا تم احتجازهم لأيام دون تهمة واضحة، فقط لإيصال رسالة بأن السقف منخفض. في مناطق الشرعية، قد لا تواجه التعذيب الممنهج الذي نسمعه عنه في سجون الحوثيين، لكنك ستواجه ملاحقات قانونية بتهمة ‘التحريض’ أو ‘زعزعة الاستقرار’، وهو ما يقتل روح الصحافة الاستقصائية”(8)

شهادات ميدانية إضافية

يقدم الصحفي المستقل فاروق مقبل الكمالي وصفًا مباشرًا للواقع الذي يعيشه الصحفيون في اليمن قائلاً: “قول الحقيقة والحياد لا يجب أن يمارسه المضللون… وهذا يدفعهم إلى تصنيفي تارة في هذا الاتجاه وتارة في ذاك… وهذا يخلق ضغوطًا كبيرة ويجعلني أفكر في انتقاء الكلمات بدلًا من التصرف بعفوية أكثر”(8). وفي نفس السياق، يرى الكاتب والصحفي نشوان الثماني أن الانقسام السياسي في اليمن غير طبيعة عمل الصحفيين جذريًا قائلا: “الصحفي في اليمن لم يعد يعمل داخل دولة بقدر ما يعمل داخل مناطق نفوذ. كل منطقة لها سلطتها وكل سلطة لها حساسيتها. إذا انتقدت طرفًا ما، قد تُتهم بالتحريض أو الخيانة، وقد تُمنع من العمل في منطقته”(8).

أعلى مستويات العنف ضد الصحفيين عالميًا

في حادثة لافتة، قُتل 31 إعلاميًا وصحفيًا في سبتمبر 2025 عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مجمعًا إعلاميًا في صنعاء تستخدمه وسائل إعلام تابعة لجماعة الحوثيين. وصفت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) الهجوم بأنه ثاني أكبر حادثة قتل جماعي للصحفيين في التاريخ الحديث، وقد أثارت الغارة جدلاً واسعًا حول ضرورة حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة، وتحييد المؤسسات الإعلامية عن الصراع العسكري وفقًا للقانون الإنساني الدولي(4).

وعلى المستوى العالمي، وثّقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) في تقريرها الصادر في فبراير 2026 مقتل 129 صحفيًا حول العالم خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ بدء الإحصائيات في عام 1992(4). ويمثل مقتل الصحفيين في اليمن جزءًا من هذا الرقم، ذلك يعكس حجم المخاطر التي يواجهها العاملون في الإعلام بمناطق النزاع، ويضع اليمن في صدارة الدول التي تتطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً لحماية ما تبقى من الكوادر الصحفية.

مصادرة المؤسسات الصحفية

لم يقتصر الاستهداف على الأفراد، بل امتد ليشمل “البنية التحتية” للإعلام. فمنذ عام 2014، تعرضت المؤسسات الإعلامية لعمليات سيطرة ومصادرة واسعة. في صنعاء، تم الاستيلاء على وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) وصحيفة الثورة ومكاتب قنوات دولية، وتحويلها إلى أدوات دعائية بحتة لخدمة سلطة الأمر الواقع. وفي عدن ومناطق أخرى، يواجه الصحفيون تضييقًا مماثلاً، حيث تفرض السلطات قيودًا صارمة على التراخيص، وتتم مداهمة مقرات النقابات والمؤسسات المستقلة. أدى هذا “التجريف” إلى اختفاء الصحافة التعددية، وبروز إعلام الصوت الواحد الذي يغذي خطاب الكراهية والانقسام المجتمعي.

الاطار القانوني للصحافة في اليمن:

يستند عمل الصحفي في اليمن إلى قانون الصحافة والمطبوعات رقم 25 لسنة 1990، الذي ينظم عمل المؤسسات الإعلامية ويحدد حقوق وواجبات الصحفيين(7). لكن منظمات حقوقية وصحفية ترى أن هذا القانون لم يعد يعكس الواقع الإعلامي الحالي في ظل الحرب والانقسام السياسي. فقد أصبحت السلطة الفعلية في كثير من المناطق بيد أطراف مختلفة تستخدم “المحاكم العسكرية” أو “قوانين الطوارئ” لملاحقة الصحفيين بتهم فضفاضة مثل “إثارة الروح العدوانية” أو “الخيانة العظمى”.

التهديدات الرقمية السيبرانية والسلامة الرقمية

مع انتقال جزء كبير من العمل الصحفي إلى الفضاء الرقمي، برزت تهديدات جديدة تتمثل في المراقبة الإلكترونية، واختراق الحسابات، وحملات التشهير المنظمة على منصات التواصل الاجتماعي. يواجه الصحفيون اليمنيون، وخاصة الصحفيات، حملات “اغتيال معنوي” تهدف إلى إجبارهم على الصمت أو مغادرة البلاد. يفتقر معظم الكوادر الصحفية في الداخل إلى التدريب الكافي على أدوات السلامة الرقمية، مما يجعلهم أهدافًا سهلة لعمليات التجسس التي تمارسها أطراف النزاع.

دعوة للعمل الدولي: هل هناك أمل للصحافة؟

على الرغم من هذه التحديات الجسيمة، يرى بعض الصحفيين أن الالتزام بالمعايير المهنية لا يزال ممكنًا. يقول العثماني: “إذا كان المقصود بالحياد أن تلتزم بالحقائق وتطبق المعايير نفسها على الجميع، فهذا ممكن حتى في بيئة منقسمة”(8). إن حماية الصحافة في اليمن ليست قضية محلية فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من التزام المجتمع الدولي بحرية التعبير وحقوق الإنسان في كل مكان. إن غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في اليمن يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الكلمة يمكن أن تؤدي دون عواقب، وهو ما يتطلب تحركًا دوليًا عاجلاً يتجاوز بيانات الإدانة إلى آليات حماية فعلية ومحاسبة الجناة.

التوصيات:

لضمان حماية الصحفيين وتعزيز حرية الصحافة في اليمن، يوصي هذا التقرير بما يلي:

١.لأطراف النزاع:
-الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المعتقلين تعسفيًا.
-تحييد المؤسسات الإعلامية عن الصراع، ووقف استخدامها كأدوات دعائية.
-الالتزام بالقانون الإنساني الدولي الذي يحمي المدنيين، بمن فيهم الصحفيون، أثناء النزاعات المسلحة.

2.للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية:
– إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في جميع الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في اليمن، وتقديم الجناة إلى العدالة.
– ممارسة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على أطراف النزاع لوقف الانتهاكات ضد الصحافة.
-توفير الدعم المالي والتقني للمؤسسات الإعلامية المستقلة والصحفيين في اليمن.

٣. للمنظمات الحقوقية والإعلامية:

١
-توفير برامج دعم نفسي وقانوني للصحفيين الناجين من الانتهاكات.
-تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية مكثفة حول السلامة الرقمية والأمن السيبراني للصحفيين اليمنيين.
_مواصلة توثيق الانتهاكات ورفع التقارير الدورية للمنظمات الدولية.

المصادر

[1] الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، نقابة الصحفيين اليمنيين (YJS). (فبراير 2026). Yemen: YJS documents 127 press freedom violations in 2025. متاح على: https://www.ifj.org/media-centre/news/detail/category/press-releases/article/yemen-yjs-documents-127-press-freedom-violations-in-2025 (آخر وصول: 22 أبريل 2026).

[2] منظمة مراسلون بلا حدود (RSF). (2025). المؤشر العالمي لحرية الصحافة لعام 2025. متاح على: https://rsf.org/en/index (صفحة اليمن: https://rsf.org/en/country/yemen) (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[3] منظمة هيومن رايتس ووتش (HRW). (سبتمبر 2025). Yemen: Journalists Under Assault. متاح على: https://www.hrw.org/news/2025/09/11/yemen-journalists-under-assault (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[4] لجنة حماية الصحفيين (CPJ). (فبراير 2026). Record number of journalists killed in 2025. متاح على: https://cpj.org/2026/02/record-number-of-journalists-killed-in-2025-israel-responsible-for-two-thirds-of-deaths/ (لتفاصيل حادثة صنعاء: https://cpj.org/2025/09/israels-killing-of-31-yemeni-journalists-marks-deadliest-global-attack-in-16-years/) (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[5] منظمة صحفيات بلا قيود (WJWC). (يناير 2026). التقرير السنوي لحرية الإعلام في اليمن لعام 2025. (يتطلب البحث في الموقع الرسمي: https://newqoyod.net/) (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[6] نقابة الصحفيين اليمنيين (YJS). التقارير الدورية لمركز الحريات الإعلامية. (يمكن الوصول إليها عبر الموقع الرسمي: https://yjs-ye.org/) (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[7] القانون اليمني للصحافة والمطبوعات رقم 25 لسنة 1990. متاح على: https://yemen-nic.info/db/lawsye/detail.php?ID=11484 (آخر وصول: 22 أبريل 2026).
[8] شهادات ميدانية خاصة (ماجد زايد، محمد الصالحي، صحفي من مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، فاروق مقبل الكمالي، نشوان الثماني). (2026). (تم جمعها من خلال مقابلات شخصية معهم جميعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى