حين يُمتحن الشرف… تنكشف المعادن

د.امين عبدالخالق العليمي.

مالي أراكم قد كشفتم عن سوآتكم؟! ليست كل العورات ما تستره الثياب، فثمة عورات لا تسترها العمائم، ولا تخفيها الوجاهات، ولا تجملها الألقاب والمناصب، إنها عورات المواقف حين تتعرّى النفوس أمام امتحان الشرف والكرامة،

يُروى في حكاية قديمة، أن كسرى أراد أن يصاهر العرب، فاعترض عليه بعض خاصته استعلاءً وغروراً، حتى ساق لهم امتحاناً كشف به الفرق بين من يبيع حياءه طمعاً في حُليّ زائل، وبين من يرى في كرامته وشرفه ما لا تساويه كنوز الممالك، ولعل العبرة من الحكاية، بصرف النظر عن صحة تفاصيلها التاريخية، ليست في قيمة العقد، وإنما في قيمة الإنسان حين يُوضع أمام مفترق المصالح والمبادئ،

وهنا يحضر السؤال الذي لا أوجهه إلى أحد بعينه، وإنما أتركه للتاريخ ولضمائر الرجال:

مالي أراكم قد كشفتم عن سوآتكم، في الوقت الذي كان يُنتظر منكم فيه أن تستروا عورات الخذلان بمواقف تليق بالأرض والإنسان والتاريخ؟!

في حجريّة تعز، حيث عُرف الرجال بمواقفهم، وحيث سُطّرت في ميادين المواجهة صفحات من التضحية والثبات، كان هناك رجال حملوا أثقال المعركة، وواجهوا الأخطار، وقدموا من أعمارهم وأموالهم وأمنهم ما لا تفي به الكلمات،

لم يكونوا يبحثون عن عقد من ذهب، ولا عن منصب عابر، ولا عن تصفيق عابر ، بل كانوا يدافعون عن كرامة الأرض والإنسان في مواجهة المشروع الحوثي الذي صادر الدولة وانتهك الحقوق وأذاق الناس صنوف المعاناة،

لكن المؤلم أن بعض المواقف، حين اشتد الامتحان، لم تكن على قدر التضحيات، وأن بعض من كان يُنتظر منهم إسناد الموقف الوطني والوقوف إلى جانب الأبطال والشرفاء، اختاروا حسابات أخرى، فخذلوا من كان ينبغي ألا يُخذل، وتركوا للخذلان أن يتحدث عنهم أكثر مما تتحدث عنهم خطاباتهم،

وليس العتاب هنا على اختلاف الرأي، فالاختلاف حق، وتعدد الاجتهادات السياسية أمر مشروع، وإنما العتاب على أن تتحول الخلافات والمصالح إلى خذلان لمن يدافعون عن الكرامة، وأن تصبح المواقف الوطنية أوراقاً قابلة للمساومة عند أول منعطف،

فليس كل من ارتدى ثوب الوجاهة كان وجيهاً، وليس كل من تصدّر المجالس كان سيداً، وليس كل من رفع شعار الشرف كان أهلاً لحمل أمانته،

إن الشرف لا يُقاس بما نملك، ولا بما نجمع حولنا من أتباع، ولا بما نحظى به من نفوذ! وإنما يُقاس بما نفعله حين تكون كلفة الموقف باهظة، وحين يكون الانحياز إلى الحق أقل ربحاً في حسابات الدنيا،

وليعلم الجميع أن التاريخ لا يحفظ أسماء المتصدرين وحدهم، بل يحفظ أيضاً من ثبتوا حين تراجع الآخرون، ومن أوفوا حين تنكّر غيرهم، ومن صانوا العهد حين أصبح الوفاء عبئاً على أصحابه،

أما الذين يظنون أن بإمكانهم الجمع بين شرف المواقف ومكاسب التنصل منها، فليتذكروا أن الذاكرة الوطنية ليست قصيرة، وأن للرجال مواقف تُعرف بها معادنهم، وللأوطان ذاكرة لا تمحوها المجاملات،

لسنا دعاة خصومة مع أحد، ولا نطلب من الناس أن يتفقوا معنا في كل رأي، لكننا نطلب ألا يُخذل أصحاب التضحيات، وألا يُكافأ التخاذل، وألا يصبح الشرف مجرد شعار يُرفع في أوقات الرخاء ويُخلع عند اشتداد المحن،

فصونوا ما بقي من الهيبة، واحفظوا لأنفسكم مكاناً في ذاكرة الناس، فما كل ما يُشترى يُباع، وما كل ما يُربح يُغنم، وما كل من خرج من المعركة سالماً خرج منها مرفوع الرأس،

وسيظل الفرق عظيماً بين من خلع ثيابه طمعاً في عقد، وبين من رفض أن يتنازل عن كرامته ولو مُلّك الدنيا وما فيها،

والسلام على أصحاب المواقف الذين لم يساوموا على الشرف، وعلى الرجال الذين إذا اشتدت المحن عُرفوا، وإذا ادلهمّت الخطوب ثبتوا،

فالمواقف هي الأنساب الحقيقية للرجال، والتاريخ هو الشاهد الذي لا يجامل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى