كلمة توكل كرمان في قمة عالم واحد للشباب المنعقدة في كيب تاون، جنوب أفريقيا

أصدقائي وصديقاتي، قادة الشباب من مختلف أنحاء العالم، أيها الحضور الكريم،

أبدأ برسالة محبة وإعجاب لجنوب أفريقيا، وبأحر التهاني لإحدى بناتها العظيمات، نافي بيلاي، بمناسبة حصولها على جائزة نوبل للسلام لهذا العام.

إن تكريمها انتصار للعدالة، وتذكير بأن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون مساءلة، وأن كرامة الإنسان يجب أن تُصان ويُدافع عنها، بصرف النظر عن هوية الضحية أو مدى قوة الجاني.

كم أشعر بالفخر وأنا أقف هنا، على أرض نيلسون مانديلا!

هذه هي الأرض التي علمت الإنسانية أن القهر قابل للهزيمة، وأن الحرية أقوى من الخوف، وأن بالإمكان بناء وطن يتسع للجميع.

هنا، حاول السجانون حبس حلم مانديلا، لكن ذلك الحلم تجاوز جدران سجنه، وعبر حدود وطنه، وأصبح ضميراً للعالم.

انتصر مانديلا على القهر، ثم انتصر على إغراء الانتقام.
وترك لنا درساً خالداً: الحرية تُنتزع بالشجاعة، لكنها تُصان بالعدالة والمؤسسات القوية.

وفي هذا العام، بينما تحيي جنوب أفريقيا الذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو، نستذكر أولئك الشباب الذين وقفوا في وجه نظام الفصل العنصري، وأسهموا في تغيير مجرى التاريخ.

كانوا شباباً، حُرموا من حقوقهم، لكنهم رفضوا الاستسلام أو التنازل عن مستقبلهم.

أصدقائي الشباب، جئت إليكم من اليمن، حيث أطلقنا ثورة سلمية، وحلمنا ببناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والحرية وسيادة القانون.

لقد شهدت شباباً يواجهون الخوف والرصاص  بأصواتهم، ونساءً يتقدمن الصفوف نحو مستقبل أفضل.
ثم جاء الانقلاب والحرب. استولت ميليشيا الحوثي المدعومة والمدارة من إيران على مدننا .

لكنني ما زلت أؤمن بأن أحلام الشعوب تعيش أطول من أسلحة الطغاة.

قد تحتل ميليشيا مدينة، لكنها لا تستطيع أن تحتل إلى الأبد مستقبل شعب مصمم على أن يكون حراً.

وقد جئت إلى هنا لأقول لكم: لا تستهينوا أبداً بقوة المقاومة السلمية، ولا تستهينوا أبداً بقوة الشباب، ولا بإرادة الشعوب التواقة للحرية.

أصدقائي: انظروا إلى ما حدث للتو في الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل أيام قليلة فقط، توجه الناخبون الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع، وغيّروا موازين القوى في الكونغرس، وقد لعب الناخبون الشباب دوراً حاسماً في هذا التحول الديمقراطي.

ومهما كانت اختلافاتنا السياسية، فإن في هذا الحدث درساً عميقاً للعالم كله.

لا رئيس فوق الدستور، ولا حزب سياسي يمتلك وطناً، ولا ينبغي أن يكون أي قائد بمنأى عن المساءلة الديمقراطية.

الديمقراطية لا تعني أن الشعب سيتخذ دائماً الخيارات نفسها، بل تعني أنه يحتفظ بحقه في تغيير خياراته سلمياً.

أثبتت الديمقراطية الديمقراطية انها تمتلك القدرة على تصحيح مسارها بنفسها.

وأقول للقادة المنتخبين حديثاً: إن الفوز في صناديق الاقتراع ليس شيكاً على بياض، بل مسؤولية تقتضي خدمة الشعب، وحماية المؤسسات، والإنصات حتى إلى أولئك الذين لم يصوتوا لكم.

إن أعظم انتصار للديمقراطية ليس عندما يهزم حزبٌ حزباً آخر، بل عندما يثبت الشعب أن السلطة ملك له.
وهذه رسالة أمل إلى الشباب في كل مكان: لا تصغوا أبداً لأولئك الذين يزعمون أن الاستبداد قدر لا مفر منه.
أصدقائي الأعزاء،

أيها الشباب تتناول قمتكم أكثر القضايا إلحاحاً في عصرنا: الأمن الغذائي، وفرص العمل، والتكنولوجيا، وسلامة النساء، ومستقبل أفريقيا، والسلام.

وترتبط جميع هذه القضايا بمسؤولية أساسية واحدة: أن نضع كرامة الإنسان في قلب السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا.

في عالم يمتلك ثروات هائلة، لا ينبغي لأي طفل أن يخلد إلى النوم جائعاً.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا ينبغي أن يُحكم على أي شاب بمستقبل محروم من الفرص.

وفي عالم يحتفي بالتقدم، لا ينبغي لأي امرأة أن تعيش في خوف.

إن التقدم الذي يترك الملايين خلفه جياعا ومذعورين ومقموعين ليس تقدماً يليق بالإنسانية.

علينا أن نبني اقتصادات تكافئ العمل، وتحمي كوكبنا، وتوفر الفرص للأجيال القادمة.

نحتاج إلى ذكاء اصطناعي يوسع آفاق التعليم والرعاية الصحية وإمكانات الإنسان، لا إلى أنظمة تركز الثروة في أيدي قلة، أو تنشر الكراهية، أو تقوض الديمقراطية.

وعلينا أن نرسم خطاً أحمر واضحاً لا لبس فيه:

يجب ألا تُمنح أي آلة، تحت أي ظرف، سلطة مستقلة لاتخاذ قرارات تتعلق بحياة البشر وموتهم.

يجب أن تخدم التكنولوجيا الإنسانية، وألا تصبح الإنسانية أبداً خادمة للتكنولوجيا.

ومن كيب تاون، أقول:

إن أفريقيا تستحق أن تصنع مستقبلها بنفسها.

يجب أن تُسخّر ثرواتها لخدمة شعوبها، وأن تتاح لشبابها الفرص لبناء أحلامهم في أوطانهم، وأن يكون لأفريقيا صوت قوي ومتكافئ في المؤسسات التي تشكل عالمنا.

أفريقيا لا تحتاج إلى جيل جديد من الاستغلال المتخفي تحت مسمى الشراكة.

إنها تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والابتكار، والعدالة، والمؤسسات الديمقراطية.

يجب أن تكون افريقيا شريكاً في صناعة المستقبل وكتابة فصوله.

والآن، اسمحوا لي أن أتوجه إلى قادة الأعمال والشركات المشاركين في هذه القمة.

إن حضوركم هنا مهم. فمواردكم وتقنياتكم واستثماراتكم ونفوذكم العالمي قادرة على تغيير حياة الملايين.

لكن القوة الاقتصادية العظيمة تترتب عليها مسؤولية عظيمة.

لا تحتفوا بالقادة الشباب على هذا المسرح، بينما تحرمون الشباب من الفرص في أماكن عملكم ومجتمعاتكم.

لا تتحدثوا عن الاستدامة بينما تدمرون البيئة.
لا تتحدثوا عن حقوق الإنسان بينما تجنون الأرباح من القمع أو الاستغلال.

ولا تختزلوا مسؤولية الشركات في مجرد علاقات عامة.
إنني أدعوكم إلى تقديم التزام من نوع مختلف.

استثمروا في رواد الأعمال الشباب. وفروا وظائف لائقة، مكّنوا النساء. احموا العمال. طوّروا تكنولوجيا مسؤولة، ودافعوا عن سيادة القانون أينما تعملون.

وأدركوا هذه الحقيقة الأساسية:

الديمقراطية ليست عائقاً أمام الأعمال والاستثمار، بل هي الأساس الذي يقوم عليه الازدهار المستدام.

لا ينبغي أن يُقاس الإرث الحقيقي لأي شركة بحجم الثروة التي راكمتها فحسب، بل أيضاً بالفرص التي أتاحتها، والكرامة التي حمتها، والمستقبل الذي أسهمت في بنائه.

أصدقائي: لا يمكن لأي من هذه الفرص أن تزدهر في ظل القصف والقهر أو الدكتاتورية أو الخوف الدائم.

من فلسطين إلى السودان، ومن اليمن إلى أوكرانيا، يستحق كل إنسان الحرية والكرامة والأمان.

أطفال غزة يستحقون الحياة، وأن يكبروا أحراراً، لا تحت القنابل والحصار.

وشعب السودان يستحق نهاية للحرب، وحكومة مدنية ديمقراطية.

وشعب اليمن يستحق استعادة دولته، وإنهاء حكم الميليشيات، وبناء مستقبل ديمقراطي.

وشعب أوكرانيا يستحق السلام والحرية والسيادة.
لا يجوز أن تتوقف حقوق الإنسان على الجغرافيا، ولا أن تتحدد كرامة الإنسان بحسب الجنسية، ولا أن يتوقف تطبيق القانون الدولي على هوية الضحية أو قوة المعتدي.

علينا أن نرفض عالماً يتمتع فيه الأقوياء بالإفلات من العقاب، بينما يُطلب من الضعفاء التحلي بالصبر.

نحن بحاجة إلى مؤسسات دولية، علينا أن نستعيد قدرة الدبلوماسية على منع الحروب، وأن نعيد للقانون الدولي قوته في مساءلة مرتكبي الانتهاكات ومحاسبتهم.

أيها القادة الشباب الأعزاء، أود أن أترككم أمام تحدٍّ، لا تسمحوا لهذه القمة بأن تصبح مجرد تجمع آخر للخطب الجميلة والوعود المنسية.

غادروا كيب تاون ومع كل واحد منكم قضية يكرس جهده لخدمتها، وشراكة يسعى إلى بنائها، وخطوة عملية يبدأ بتنفيذها، ونتيجة يكون مستعداً لتحمل المسؤولية عنها.

لا تكتفوا بمطالبة الأقوياء بإفساح المجال لكم. نظّموا أنفسكم، وابتكروا، وشاركوا، وابنوا المؤسسات التي ستصنع مستقبلكم.

دافعوا عن حرية الآخرين بالقوة والحماسة نفسيهما اللتين تدافعون بهما عن حريتكم.

وتذكروا أن نجاحكم لا يكتمل إذا تركتم الآخرين خلفكم.
سيقول لكم البعض إن أحلامكم أكبر من أن تتحقق في الواقع.

تذكروا مانديلا، تذكروا شباب سويتو.

تذكروا كل جيل قيل له إن التغيير مستحيل، حتى جعله أمراً لا مفر منه.

لا تخلطوا بين التشاؤم والحكمة. لا تقبلوا الصمت ثمناً للنجاح. ولا تسمحوا للخوف بأن يكتب تاريخ جيلكم، لستم أصغر من أن تغيّروا العالم.

بل إن العالم قد شاخ بما فيه من مظالم، ولم يعد يحتمل الاستمرار من دون قيادتكم.

كونوا الجيل الذي يحوّل التضامن إلى أفعال، والأمل إلى مؤسسات، والشجاعة إلى حرية للجميع.

ومن أرض مانديلا، دعونا نقطع عهداً للإنسانية: لن نرث الظلم ونسميه قدراً، لن نرث الحرب ونسميها سلاماً، لن نرث اللامساواة ونسميها تقدماً، ولن نرث الخوف ونسميه المستقبل.

سنبني عالماً تكون فيه الكرامة حقاً لكل إنسان، والفرص متاحة لكل شاب، والحرية حقاً لكل أمة.

عالماً لا يولد فيه طفل محكوماً عليه بالحرمان بسبب ظروف ولادته.

عالماً لا يُعدّ فيه أي حلم مستحيلاً لمجرد أن أصحاب السلطة يخشون تحققه.

أصدقائي، المستقبل ليس شيئاً ننتظره، بل شيئاً نمتلك الشجاعة لصناعته. وهذا المستقبل يبدأ بنا.

شكراً لكم جميعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى