إدارة تحرير الدولار الجمركي في ضوء تحديات الشحن الدولي والاحتكار اللوجستي والإصلاح المالي

د. علي ناصر سليمان الزامكي
أستاذ الإدارة المالية المشارك
مساعد نائب رئيس جامعة عدن للشؤون الطلاب:
إن ادارة تقييم قرار تحرير الدولار الجمركي لا ينبغي أن يكون تقييم مالي أو جمركي فقط ، بل تقييم ضمن سلسلة التكلفة الكاملة للاستيراد خاصة في بلادنا ، لأن المشكلة ليست في سعر الدولار الجمركي وحده، وإنما في تراكم طبقات التكلفة قبل وبعد الجمارك ، ولذلك سنحاول اجراء تقييم مركز ومبسط لقرار تحرير الدولار الجمركي .
أولاً: ما معنى تحرير الدولار الجمركي اقتصادياً؟
تحرير الدولار الجمركي يعني ــ عملياً ــ ربط تقييم الرسوم الجمركية بسعر صرف أقرب إلى السوق أو السعر الحقيقي بدلاً من سعر إداري منخفض.
بمعنى آخر إذا كانت السلعة قيمتها 1000 دولار:
فالقيمة الجمركية كما هو معروف 5% أي قيمة الجمارك 50 دولار ، وعند سعر الصرف السابق 700 ريال للدولار الجمركي معناه قيمة الجمارك 35000 ألف ريال ، وعند تحرير سعر الصرف الجمركي بما يوازي سعر صرف السوق معناه ان قيمة الجمارك على السلعة 1000 دولار هي نفسها 5% أي 50 دولار ولكن بسعر صرف السوق اليوم 50 دولار * 1550 ريال = 77590 ريال
وبالتالي ترتفع:
• الرسوم الجمركية.
• ضرائب المبيعات.
• الرسوم التابعة.
• كلفة الإفراج الجمركي.
إذاً القرار يزيد الإيراد الحكومي نظرياً لكنه يرفع تكلفة الاستيراد فعلياً.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل القرار صحيح أو خطأ؟
بل: هل البيئة الاقتصادية اليمنية مهيأة لتحرير الدولار الجمركي؟
وهنا تكمن المعضلة.
ثانياً: تقييم القرار في ضوء واقع سلسلة التكلفة المفروضة علينا بواقع الحرب وتبعاتها.
لان في الظروف الطبيعية قد يكون القرار مقبولاً ضمن برامج إصلاح مالي ، كن في اليمن توجد خمس طبقات تكلفة متراكمة:
1) تكلفة المخاطر الدولية
• تأمين حرب مرتفع.
• رسوم مخاطر البحر الأحمر.
• تحويل مسارات السفن.
• ارتفاع أجور الشحن إلى مينائي عدن والمكلا.
هذه التكلفة لا تتحكم بها الحكومة اليمنية ، لكنها أصبحت جزءاً من سعر السلعة.
2) احتكار النقل الداخلي من الموانئ إلى مستودعات التجار المستوردين .
وهنا كما يقول التجار المستوردين ان هناك شركات أو شبكات النقل الداخلي مرتبطة بنقابات أو متنفذين تفرض عملياً:
• ناقلاً محدداً.
• تسعيرة شبه إلزامية.
• رسوم تحميل وتفريغ مبالغاً فيها.
• منع المنافسة الحرة.
وهنا التاجر لا يملك حرية خفض تكلفته ، فتصبح الموانئ نفسها نقطة تضخم.
3) الجبايات والرسوم غير القانونية
وهذه من أخطر الحلقات.
الجبايات عند:
• بوابات الموانئ.
• نقاط العبور.
• سلطات غير موحدة.
• رسوم خارج الإطار القانوني.
وهذا ما يعرف في عالم الاقتصاد وإدارة المالية ( ضرائب غير رسمية غير مقرة بالموازنة).
وهذا يعني أن الحكومة حين ترفع الدولار الجمركي بينما لا تزال الرسوم غير القانونية قائمة، فإن القطاع الخاص يدفع ضريبة مزدوجة:
• رسم حكومي رسمي.
• رسم غير رسمي غير قانوني.
4) ضعف تنفيذ قرار الإصلاح المالي رقم (11) لسنة 2025 م .
إذا كان القرار الرئاسي يهدف إلى:
• توحيد التحصيل.
• توريد الموارد.
• إنهاء الحسابات الموازية.
• إحكام الرقابة المالية.
لكن التنفيذ لا يزال محدوداً، فإن رفع الدولار الجمركي قد يتحول إلى:
توسيع العبء على الحلقة النظامية فقط. أي أن الملتزم يدفع أكثر بينما التسرب المالي والجبايات الموازية تستمر ،وهذا يخلق اختلال العدالة الاقتصادية.
5) التهرب الجمركي والتلاعب بالفواتير :
هنا تظهر مفارقة معروفة عالمياً.
كلما ارتفعت الرسوم الجمركية بصورة كبيرة يزداد الحافز نحو:
. نقص الفواتير .
. تزوير الفواتير .
. تغيير بلد المنشأ .
. التجزئة الجمركية .
لذلك قد لا تؤدي زيادة الدولار الجمركي تلقائياً إلى زيادة الإيرادات الصافية ، أحياناً يحدث العكس.
وعليه، فإن القرار يحمل فرصاً مالية محتملة للدولة، لكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر تضخمية وتجارية واجتماعية مرتفعة إذا لم تتزامن معه حزمة إصلاحات موازية.
حيث يشير التقييم الاقتصادي إلى أن تحرير الدولار الجمركي وحده لا يمثل سياسة مكتملة ، بل يعتمد نجاحه على إصلاح متزامن يشمل:
✓ ادارة اللوجستيات وسلاسل الإمداد .
✓ كفاءة الموانئ.
✓ إزالة الجبايات غير القانونية.
✓ توحيد الإيرادات.
✓ الحوكمة الجمركية.
✓ مكافحة الفواتير المزورة



