صفية… حين هزم الفقر حق الحياة

بقلم/ جواد النابهي:
في مدينة تعز ، المدينة التي تتقاسم مع سكانها الحصار والجوع والخوف، سُجّلت مأساة جديدة تُضاف إلى سجلها الطويل من الأوجاع، لم تمت الطفلة صفية لأن الطب عجز عن علاجها، ولم يخذلها الدواء، بل خذلها الفقر قبل كل شيء، ماتت لأن والدها لم يكن يملك ثمن إنقاذها.
منذ ساعات الصباح الأولى، كان والد صفية يتنقل بين ممرات أحد مستشفيات المدينة حاملاً طفلته التي أنهكها المرض؛ ست ساعات كاملة قضاها الرجل بين أبواب الإدارة وغرف الأطباء، يرجو، يتوسل، ويحاول أن ينتزع فرصة أخيرة لبقاء ابنته على قيد الحياة، لكن كل محاولاته اصطدمت بجدار بارد اسمه “الرسوم المالية”، إذ اشترطت إدارة المستشفى دفع تكاليف الدخول إلى العناية المركزة قبل استقبال الحالة، وكأن الحياة نفسها أصبحت سلعة لا تُمنح إلا لمن يملك ثمنها.
كان المشهد قاسيً إلى حد لا تحتمله الكلمات، أبٌ يرى طفلته تذبل بين يديه، وعيناه عاجزتان عن فعل أي شيء سوى التحديق في وجه الموت وهو يقترب ببطء، في تلك اللحظات، لم يكن والد صفية يطلب المستحيل، ولم يكن يبحث عن معجزة، بل كان يطلب حقًا إنسانيًا بسيطًا: أن تُنقذ طفلته قبل أن تخطفها النهاية.
لكن النهاية جاءت أسرع من الرحمة.
في حضن والدها، أمام باب العناية المركزة، أسلمت صفية روحها الأخيرة، توقفت أنفاسها الصغيرة، وسكن الجسد الذي قاوم حتى اللحظة الأخيرة، بينما بقي الأب واقفًا في مواجهة قهر لا تسعه الكلمات، خرج من المستشفى لا وهو يحتضن طفلة نجت من الموت، بل وهو يحمل جثمان ابنته التي عجز الفقر عن حمايتها.
لم تكن دموع الأب وحدها الحاضرة في ذلك المشهد المؤلم، بل كانت هناك نظرات ذهول وحزن ارتسمت على وجوه المرضى والمارة الذين تابعوا المأساة بصمت موجع، كان السؤال يتردد في المكان كصرخة جماعية: “أهكذا أصبح مصير أبناء تعز؟”
إن ما حدث لـ صفية لا يمكن اعتباره حادثة فردية عابرة، بل هو صورة مكثفة لانهيار المنظومة الصحية والإنسانية في المدينة، فحين تتحول المستشفيات إلى مؤسسات لا ترى في المرضى سوى أرقام وفواتير، يصبح الفقراء وحدهم ضحايا مؤكدين للموت، وحين يغيب الضمير والرقابة، تصبح أبواب العلاج موصدة أمام من لا يملكون ثمن الحياة.
رحلت صفية، لكنها تركت خلفها وجعًا ثقيلًا وأسئلة أكبر من الإجابات، رحلت وهي تنظر إلى والدها الذي لم يكن يملك سوى الدعاء وعبارة “حسبنا الله ونعم الوكيل”؛ أما المدينة، فما زالت تنزف كل يوم تحت وطأة الحصار والفقر والخذلان، فيما يظل الفقراء فيها يدفعون أرواحهم ثمنًا لعجزهم عن دفع الفواتير.
إن مأساة الطفلة صفية تفتح من جديد ملف الاستثمار في أوجاع الناس، وتعيد طرح السؤال المؤلم حول مسؤولية المؤسسات الطبية تجاه الحالات الإسعافية للفقراء، فالحياة ليست امتيازًا يُمنح للأغنياء وحدهم، والرحمة لا ينبغي أن تكون مرتبطة بقدرة الإنسان على الدفع.
رحلت صفية، لكن قصتها ستبقى شاهدة على زمنٍ صار فيه الفقر حكماً بالموت.









