النظام العالمي على مفترق طرق!

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي بين أفول الهيمنة الأحادية وولادة قطبية مركبة.منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا العالم وكأنه استقر على إيقاع قطب واحد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، قوةً عسكرية لا تُضاهى، ومركزاً مالياً يمسك بخيوط النظام النقدي العالمي، ومرجعية سياسية لما عُرف بـ”النظام القائم على القواعد”. غير أن التاريخ لا يعرف الثبات؛ فكل ذروة تحمل في داخلها عناصر تحولها، وكل لحظة تفرد تفتح الباب، ببطء، أمام إعادة توزيع القوة. اليوم، لم تعد المسألة تتعلق بسقوط مفاجئ لهيمنة أمريكية، بل بتآكل تدريجي يعيد صياغة ملامح النظام الدولي في صورة أكثر تعقيداً وتداخلاً. لقد كشفت العقود الثلاثة الماضية حدود القوة الصلبة حين تصطدم بوقائع الاجتماع والتاريخ. حروب طويلة، وأزمات مالية، واستقطاب داخلي متصاعد، كلها أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن القدرة على إعادة تشكيل العالم وفق إرادة مركز واحد. كما أن استخدام الدولار كسلاح عقوبات دفع قوى كبرى إلى البحث عن بدائل تقلل من الارتهان للنظام المالي الغربي. وفي الوقت ذاته، أحدثت التحولات السياسية داخل واشنطن شرخاً في الثقة مع الحلفاء الأوروبيين، وأعادت إلى الواجهة فكرة “الاستقلال الاستراتيجي” بعيداً عن الاتكال المطلق على المظلة الأمريكية. لم يعد الغرب كتلة متجانسة كما بدا في تسعينيات القرن الماضي، بل شبكة مصالح تتباين أولوياتها وتتصارع أحياناً في الرؤية والنهج. في المقابل، تقدمت الصين بخطاب مختلف وأدوات مختلفة. لم تختر المواجهة المباشرة بقدر ما تبنت استراتيجية التغلغل البنيوي عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية، مجسدة ذلك في مبادرة الحزام والطريق التي نسجت عبرها شبكة ممتدة من الموانئ والطرق وخطوط الطاقة. هكذا أعادت بكين تعريف مفهوم النفوذ: لم تعد السيطرة تعني رفع الأعلام فوق الأراضي، بل ترسيخ الاعتماد المتبادل في سلاسل الإمداد والتجارة. ومع اقتراب حجم اقتصادها من الاقتصاد الأمريكي، لم تعد المنافسة نظرية، بل واقعاً يومياً في أسواق المال والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. تقدم الصين نفسها بوصفها شريكاً تنموياً لا يفرض شروطاً أيديولوجية صارمة، وهو خطاب يجد صدى في دول الجنوب الباحثة عن هوامش أوسع للمناورة. أما روسيا فقد اختارت طريق القوة الصلبة لتأكيد حضورها. بعد سنوات من الانكفاء عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، عادت موسكو إلى المسرح الدولي لاعباً لا يمكن تجاهله، خاصة مع اندلاع الحرب في أوكرانيا التي تحولت إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب حول حدود النفوذ والأمن الأوروبي. ورغم العقوبات، لم تنعزل روسيا كما توقع البعض، بل أعادت توجيه بوصلتها الاقتصادية شرقاً، وعززت شراكاتها مع بكين، وأسهمت في تنشيط تكتلات مثل بريكس بوصفها منصات تسعى إلى تقليص هيمنة المؤسسات المالية الغربية. لا تنافس موسكو اقتصادياً بحجم الصين، لكنها تنافس استراتيجياً بقدرتها على تعطيل الإرادة الغربية وإرباك حساباتها. غير أن التحول الأعمق لا يكمن فقط في صعود القوى الكبرى، بل في تحرر القوى المتوسطة من منطق التبعية. دول مثل المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة باتت تمارس سياسة توازن مرنة، تجمع بين الشراكة مع واشنطن والانفتاح على بكين والحوار مع موسكو، دون انتماء حصري إلى محور بعينه. إنها لحظة انتقال من عالم التكتلات الصلبة إلى عالم الشبكات المتداخلة، حيث تتحرك الدول وفق مصالحها الوطنية لا وفق اصطفافات جامدة. هكذا يتبدل شكل القوة من سيطرة مباشرة إلى إدارة مسارات: مسارات التجارة، ومسارات الطاقة، ومسارات التكنولوجيا. الممرات الاقتصادية باتت تعادل القواعد العسكرية في أهميتها، والسيطرة على سلاسل الإمداد تضاهي السيطرة على البحار. العالم ينتقل من عولمة مفرطة إلى عولمة مسيسة، يصبح فيها الاقتصاد نفسه ساحة صراع جيوسياسي. لسنا إذاً أمام نهاية درامية لقطب وبداية لآخر، بل أمام ولادة نظام متعدد المراكز، تتقاطع فيه المصالح وتتداخل فيه التحالفات. قد يكون هذا النظام أكثر توازناً، لكنه أيضاً أكثر فوضوية، إذ لا توجد فيه إرادة واحدة قادرة على فرض الاستقرار بالقوة. السؤال لم يعد: من يحكم العالم؟ بل: كيف يُدار عالم تتوزع فيه القوة ولا يحتكرها أحد؟ في الإجابة عن هذا السؤال تتحدد ملامح القرن الحادي والعشرين، بين فرصة لبناء توازن أكثر عدلاً، أو انزلاق إلى تنافس مفتوح يعيد إنتاج الصراعات بأشكال جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى