اليمن الواحد… ذاكرة وطن وإرادة شعب

بقلم الدكتور/ امين عبدالخالق العليمي.

في ذكرى الثاني والعشرين من مايو، لا تُقاس الأوطان بمساحة الأرض فقط، بل بمقدار ما تحمله القلوب من إيمانٍ بأن التفرّق خسارة، وأن الوحدة ـ مهما تعثّرت ـ تظل أعظم من كل مشاريع التمزّق، وأبقى من كل صراعات اللحظة .

ليست الوحدة اليمنية مجرد تاريخٍ يُكتب في دفاتر السياسة، ولا مناسبةً عابرة تُرفع فيها الأعلام وتُلقى فيها الخطب، بل هي اللحظة التي قرر فيها اليمن أن ينتصر على جراحه، وأن يهزم المسافات المصطنعة بين أبناء الأرض الواحدة والهوية الواحدة والمصير الواحد،

لقد كانت اليمن، عبر التاريخ، أكبر من الحدود، وأعمق من الانقسامات، وأوسع من أن تختزلها خرائط السياسة العابرة، فمن صعدة إلى المهرة، ومن تهامة إلى حضرموت، ظل اليمني يحمل ذات الملامح الحضارية، وذات الكبرياء، وذات الحنين إلى وطنٍ لا يتجزأ مهما تكاثرت عليه العواصف،

إن الوحدة ليست نصاً دستورياً فحسب، بل شعورٌ جمعي بأن اليمن لا يكتمل إلا بكل أبنائه، وأن الجسد الواحد قد يمرض، لكنه لا يقطع أطرافه لينجو، بل يتعافى بوحدته وتماسكه،

وفي زمنٍ تتكاثر فيه المشاريع الصغيرة، تبقى الوحدة هي المشروع الكبير الوحيد القادر على حماية الجميع دون استثناء،
فالتجزئة قد تصنع سلطاتٍ مؤقتة، لكنها لا تصنع أوطاناً مستقرة، والانقسام قد يمنح البعض نفوذاً آنياً، لكنه يسلب الأجيال القادمة حقها في وطنٍ قوي وآمن وذي سيادة،

لقد أثبتت التجارب أن الأوطان التي تتشظى تتحول إلى ساحات نفوذ، وأن الفراغ الوطني لا يبقى فارغاً، بل تملؤه التدخلات والصراعات والمصالح الخارجية،
أما اليمن الموحّد، فرغم كل أزماته، يبقى قادراً على النهوض لأنه يستند إلى عمقٍ تاريخي وحضاري وإنساني لا يمكن كسره،

إن الحديث عن الوحدة اليوم لا يعني إنكار الأخطاء، ولا تجاهل المظالم، ولا القفز فوق المعاناة التي عاشها اليمنيون شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، بل يعني الإيمان بأن معالجة الأخطاء تكون بإصلاح الدولة لا بتمزيق الوطن، وببناء العدالة لا ببناء الحواجز، وبإحياء الشراكة لا بإحياء القطيعة،

فالوطن الحقيقي لا يُقاس بعدد البنادق، بل بعدد القلوب التي تؤمن به،

والوحدة ليست انتصار طرفٍ على طرف، بل انتصار اليمن على احتمالات الضياع،

إن اليمن اليوم بحاجة إلى خطابٍ جديد، خطابٍ يعترف بالوجع لكنه لا يستثمر فيه، ويقرأ التاريخ بعقل الدولة لا بعاطفة الثأر، ويؤمن أن المستقبل لا يُبنى على ذاكرة الكراهية، بل على إرادة التعايش والعدالة والمواطنة المتساوية،

وفي عيد الوحدة، لا ينبغي أن نسأل: ماذا أخذت منا الوحدة؟ بل ماذا سيبقى منا إذا خسرناها؟

فالأوطان العظيمة لا تحميها الجيوش وحدها، بل تحميها الفكرة التي يؤمن بها الناس، واليمنيون  رغم كل شيء ما زالوا يؤمنون أن اليمن أكبر من الانقسام، وأقوى من الحرب، وأبقى من كل المشاريع المؤقتة،

سيظل اليمن واحداً… لأن التاريخ لا يتذكر الخرائط الصغيرة، بل يتذكر الأوطان التي قاومت التشظي وانتصرَت لوحدتها،

كل عام وانتم والوطن بخير، واليمن موحّدٌ في قلوب أبنائه، عزيزٌ بهويته، كبيرٌ بتاريخه، عصيٌّ على الانكسار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى