وهم الحسم العسكري والردع المزدوج

خليل الزكري :
حين تقدم حلا عسكريا لمشكلة سياسية معقدة، وتتجاهل المتغيرات الدولية والإقليمية الراهنة، هنا تدخل في خانة الوهم؛ وهم “الحسم العسكري”، متجاهلا التجارب السابقة.
خاض التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية والإمارات حربا عنيفة لسنوات، مع الحوثيين من مارس 2015، وحتى 2022، ولم تنجح خطط الحسم العسكري مع الحوثيين الذين تحولوا إلى قوة عصية على الهزيمة في المناطق الجبلية، وباتوا يمتلكون ترسانة صاروخية متطورة بدعم إيراني غير محدود.
بعد هذه السنوات من الحرب، لازالت تبرز اصواتا هنا وهناك تدعوا إلى عملية شاملة جوا وبرا وبحرا، متجاهلة الكلفة البشرية والمادية الهائلة لهذه الحرب، كما تتجاهل أن أي حرب شاملة ستجر المنطقة معها إلى حرب استنزاف طويلة قد تمتد لعقود، ولن تكون حربا خاطفة.
ويعتقد البعض أنه يمكن الاستفادة من “نزعة ترامب الهجومية”، بعد استهداف إيران ومقتل مرشدها علي خامنئي، فهذا تبسيط مفرط للموقف. صحيح أن ترامب قد يكون أكثر ميلا للضغط على إيران، لكن توجهه العام هو “أمريكا أولا” وليس الانخراط في حروب جديدة في الشرق الأوسط؛ ترمب يريد صفقات مثل “التطبيع”، وليس التورط في حروب نيابة عن الآخرين في المنطقة، ومن غير المنطقي التوقع أن تقدم واشنطن دعما عسكريا غير محدود لعملية عسكرية برية جديد في اليمن.
كما يذهب بعض الكتاب إلى التنظير لـ “محور عربي إسلامي” يتكون إلى جانب السعودية ومصر من تركيا وباكستان، يقود معركة برية في اليمن لصالح “الردع المزدوج” ضد إيران وإسرائيل، وهذا وهم أيضا، وأقرب إلى الخيال السياسي منه إلى الواقع الجيوسياسي.
فتركيا لديها أجنداتها الخاصة في المنطقة، من دعم الإخوان، والنفوذ في الصومال، والخصومة مع الإمارات في بعض الملفات، والعلاقات المعقدة مع قطر والسعودية، ولها مصالحها الخاصة مع إيران أيضا. أما باكستان فلديها من المشاكل الداخلية وقضايا الجوار الشائكة والمعقدة مع الهند وأفغانستان ما يكفيها، من الذهاب إلى حرب بعيدة عن مصالحها، كما ان علاقتها مع إيران معقدة بسبب الحدود الطويلة والتوازن الطائفي الداخلي.
أما مسألة “الردع المزدوج”، قد تبدو الفكرة جذابة: “نضرب الحوثي ليرتدع الإيراني والإسرائيلي”، لكن في جوهرها مغالطة كبرى، فالواقع يقول أن الحرب على الحوثي لن تردع إسرائيل؛ بل على العكس من ذلك، فانشغال العرب في حرب استنزاف مع الحوثي وإيران قد يمنح إسرائيل المزيد من حرية الحركة وتوسيع نفوذها في المنطقة. ستكون إسرائيل المستفيد الأكبر من حرب عربية-إيرانية جديدة في اليمن، لأنها تشغل الخصوم وتستنزفهم.
الانطلاق من هذه الفكرة (الردع المزدوج)، لا يأخذ في الاعتبار أن الاستراتيجية السعودية الحالية والخليجية عموما تقوم على معادلة: إدارة المخاطر مع إيران، والسير في مسار التطبيع مع إسرائيل مقابل ضمانات إمريكية وفي الوقت ذاته، فالدعوة إلى حرب شاملة مع إيران في اليمن تقلب الطاولة رأسا على عقب، وتحرق كل الجسور التي تبنيها الرياض حاليا.
وهناك من يعتبر أن حسم المعركة في اليمن سيرمم العلاقات المصرية الإماراتية السعودية، متجاهلا أن اليمن نفسه كان سببا رئيسيا في بروز جزء كبير من الخلافات مثل الخلاف الإماراتي السعودي اليمني حول الجنوب، والسياسات المختلفة في الساحل الغربي، وأمن البحر الأحمر؛ فإعادة فتح حرب شاملة قد تعيد إنتاج هذه الخلافات، لا أن تحلها.
خلاصة القول: مجمل هذا الطرح يمثل تيارا فكريا مشحونا بـ”غضب استراتيجي” يعكس حالة الإحباط العربي من سلوك إيران ووكلائها، ومن تمدد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، ويرى أن الحل الأمثل حرب شاملة ضد إيران، لكن الوقع يقول غير ذلك: أي مغامرة كبرى سوف تعيد المنطقة إلى مربع الصفر، وقد تؤدي إلى تفكك ما تبقى من اليمن، وإشعال حرب إقليمية مفتوحة، وعزل الدول العربية عن المشهد الدولي بدلا من أن تكون جزءً من تشكيله.
تبحث الدول العربية الكبرى اليوم، عن أمن مستدام بتكلفة معقولة، وليس عن بطولات عسكرية تؤدي إلى استنزاف لا نهائي؛ فلا يمكن الخروج من دوامة الاستنزاف بالغرق فيها أكثر. الحل الحقيقي للمعضلة المطروحة هو في الضغط السياسي والاقتصادي الموحد، واستكمال بناء الدولة اليمنية الموحدة وضمان استقرارها.




