العربية بين السماء والهوية:نداء قبل أن نغدو شجراً بلا جذور!

رواها 360 عدن اسماعيل الصنوي

لقد منَّ الله على العرب بنعمةٍ جليلة، حين اصطفى لسانهم وعاءً لآخر كتبه، فأنزل القرآن بلسانٍ عربيٍ مبين، فكانت تلك اللحظة الفارقة التي حوَّلت لهجات القبائل المبعثرة إلى لسان أمةٍ موحدة، وحضارةٍ إنسانيةٍ خالدة. لم تعد العربية مجرد أداة تخاطب، بل غدت جسراً ممدوداً بين الأرض والسماء، تفيأت الأمم ظلالها، وارتوت من معينها، وامتزجت فيها الفصاحة بالبيان، فحملت أسمى معاني العلم والأدب والدين. غير أن هذه الهبة الإلهية تواجه اليوم تحدياً وجودياً صارخاً، ينذر بقطيعةٍ روحيةٍ وفكريةٍ بين الأمة ولسانها. ففي خضم العولمة الجارفة وصراع الهويات، أخذت كثير من المؤسسات التعليمية والإعلامية في ديار العرب تزيح لغة الضاد عن صدارة المشهد، لا لتتخذ من اللغات الأجنبية نافذةً للانفتاح، بل بديلاً طامساً للهوية، ومعياراً زائفاً للتفريق الطبقي والتفاخر الأجوف. فترى الناشئة تتلعثم في النطق بجملةٍ سليمة، وتعجز عن فهم خطاب أجدادها، بل صار بعضهم يستحي من استخدام الفصحى في المحافل التي يظنها “راقية”، وكأن لغة الوحي قد غدت لغة الماضي في أعين أبنائها، والحال أنها جوهر حاضرهم وضمان مستقبلهم. إن هذا الإهمال ليس تقصيراً تعليمياً عابراً، بل هو انقطاعٌ خطيرٌ عن منابع الهوية ووشائج الوحدة. فالعربية ليست مجرد وسيلة اتصال، بل هي وعاء الفكر، وحافظة التراث، وملتقى العقول على تنائي الديار. وإذا ضعفت اللغة، تهاوت جسور التواصل بين أبناء الأمة، وتهشمت روابطهم الفكرية، وأصبحوا كالشجر الذي بُترت جذوره عن الأرض؛ يستقوي بأغصانه الظمأى ليواجه الريح، فيسقط صريعاً أمام التيارات الدخيلة، ونهباً سهلاً للتفكك الداخلي.

لهذا، فإن النهوض بالعربية لم يعد خياراً ثقافياً أو ترفاً فكرياً، بل ضرورةً استراتيجيةً وواجباً حضارياً. يجب على الحكومات أن تتحمل أمانتها، فتجعل العربية لغة الحياة في كل مرفق: في التعليم الذي يبني العقل، والإعلام الذي يشكل الوعي، والإدارة التي تنظم الشأن العام، والتقنية التي ترسم ملامح الغد. وعلينا ألا نختزل هذا الواجب في مؤتمراتٍ موسمية أو احتفالاتٍ خجلى، بل لا بد أن نترجمه إلى سياساتٍ عملية صارمة، تبدأ من مهود الطفولة، وتترعرع في رحاب التعليم العالي، وصولاً إلى الفضاء الرقمي حيث يجب أن تتربع العربية على عرشها الطبيعي بين لغات العالم الحية.
وعلى الدول القادرة أن تبادر بإنشاء مراكز دولية لتعليم العربية وتأهيل معلميها، وإنتاج محتوى جذاب يليق بجمالها وعظمتها. كما يجب تشجيع البحث العلمي بلغة الضاد، ودعم المؤلفين والمبدعين، لتبقى لغةً متجددةً قادرةً على استيعاب مستجدات العصر بلا تفريطٍ في تراثها، ولا خنوعٍ لمفردات غيرها. فحفظ اللغة العربية هو حفظ للذات، وصون للوحدة، واستمرار للرسالة. ليست مجرد أصواتٍ ننطق بها، بل روح الأمة وعقلها الجمعي. بها نعبر عن وجودنا، وبها نحمي ماضينا، وبها نشيد مستقبلنا. وإهمالها هو إهمالٌ لأنفسنا، وتفريطٌ في أمانة التاريخ. فلنعمل جميعاً، أفراداً ومؤسسات، على أن تظل العربية: لغة الحياة، والعقل، والقلب، والأمة التي أرادها الله خير أمةٍ أخرجت للناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى