عدن تنهض من جديد: بين إشراقة الحاضر وحنين الذاكرة إلى مجدٍ لا ينطفئ

مبارك عبدالقادر احمد الشيباني :


لم تكن زيارتي إلى عدن هذه المرة كسابقاتها، بل جاءت محملة بدهشة حقيقية وإحساس عميق بأن هذه المدينة بدأت تستعيد شيئًا من روحها التي طالما تغنّى بها التاريخ.
منذ لحظة دخولي إلى المحافظة، بدءًا من الضالع وحتى باب المندب، كان المشهد مختلفًا. أداء أمني منظم، وتعامل راقٍ مع الوافدين يعكس حالة من الاستقرار والانضباط التي لمستها بوضوح. لم يكن ذلك مجرد انطباع عابر بل واقع يفرض نفسه في كل نقطة تفتيش، وفي كل شارع وحتى في سلوك الناس الذين التزموا بالنظام واحترام إشارات المرور، حتى في ساعات الليل المتأخرة.
وعند زيارتي لسواحل جولد مور، بدت الحياة وكأنها تعود تدريجيًا إلى طبيعتها. أسر وأطفال وشباب يمارسون حقهم البسيط في الترفيه بعد سنوات طويلة من الإغلاق قاربت عقدًا من الزمن. كان المشهد مفعمًا بالحياة وكأن البحر نفسه يحتفي بعودة الناس إليه.
أما زيارتي إلى عدن الصغرى – البريقة – فقد أخذتني في رحلة عميقة إلى الماضي إلى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، حين كنا نقرأ عن عدن في مناهجنا الدراسية ونسمع عن بريقها الاقتصادي والحضاري. عادت بي الذاكرة إلى أيام كنا نزور فيها البريقة وغديرها ونقف مبهورين أمام شعلة مصافيها التي لا تنطفئ.
لكن تلك الشعلة التي كانت رمزًا للحياة الاقتصادية وجدتها اليوم منطفئة. لحظة صامتة ثقيلة اختلط فيها الإحباط بالحسرة على واحد من أهم المشاريع التي كانت رافدًا رئيسيًا للاقتصاد الوطني. وهنا استحضرت تاريخ مصافي عدن، ولماذا أُنشئت أصلًا.
في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي كانت عدن واحدة من أهم الموانئ العالمية خاصة بعد التحولات التي شهدتها المنطقة عقب استقلال الهند وتأميم النفط في إيران. اختارت بريطانيا عدن لتكون البديل الاستراتيجي فأنشأت المصافي لتجعل من الميناء مركزًا حيويًا لتجارة الترانزيت وخدمة السفن والطائرات مستفيدة من موقعها الفريد بالقرب من مضيق باب المندب الرابط بين الشرق والغرب.
ومع اكتمال بناء المصافي في منتصف الخمسينيات شهدت عدن نهضة اقتصادية هائلة، انعكس خيرها على مختلف أنحاء اليمن شمالًا وجنوبًا.أصبحت المدينة وجهة للعمل والتعليم، ومصدرًا للرزق والمعرفة حيث تعلّم فيها اليمنيون النظام والقانون واكتسبوا مهارات الحياة المدنية الحديثة.
لم تكن عدن مجرد مدينة بل كانت مدرسة وطنية كبرى، تعلم فيها الناس معنى المواطنة والتعايش ووحدة المصير. ومنها انطلقت شرارات النضال الوطني وكانت الحاضنة الأولى للأحرار، والداعم الحقيقي للثورات اليمنية.
واليوم ورغم كل التحديات، تبدو عدن وكأنها تعود تدريجيًا إلى مسارها الصحيح. هناك مؤشرات واضحة على تعافيها المعيشي وعلى عودة روح النظام والقانون حيث عاش الجميع يوماً سواسية تحت مظلته.
غير أن استعادة عدن لدورها الكامل لا يمكن أن تتحقق إلا بترسيخ الوعي في الأجيال عبر التعليم أولًا ثم عبر القدوة الحسنة في سلوك المسؤولين واحترام القانون، وتحقيق مبدأ المواطنة المتساوية.
عدن ليست مجرد مدينة عابرة في التاريخ بل هي هوية ومصير مشترك ومرآة لوطنٍ بأكمله. وإذا كانت اليوم قد بدأت تستعيد عافيتها فإن الأمل يبقى معقوداً على أن تعود كما كانت: منارةً للعلم، وميناءً للخير ومدينةً تحتضن الجميع دون استثناء.
اللهم احفظ عدن وأهلها، وأعد لها مجدها ولا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. قولوا آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى