«من الطائف إلى عاصفة الحزم: 92 عاماً والسعودية تبحث عن يمنٍ لا يخرج عن طاعتها»

مبارك عبدالقادر الشيباني :
92 عاماًمن التدخل السعودي من حرب 1934 إلى مستنقع 2026
لم يكن اليمن بالنسبة إلى السعودية مجرد جار على الحدود بل جزءاً من معادلة الأمن والنفوذ وموازين القوة في الجزيرة العربيةوالسؤال ليس لماذا تتدخل السعودية في اليمن؟ بل لماذا لم تستطع رغم المال والسلاح والتحالفات أن تصنع يمناً مستقراً وفق مصالحها طوال قرابة قرن؟
في حرب 1934 خاضت السعودية حرباً مباشرة ضد المملكة المتوكلية اليمنية وانتهت بمعاهدة الطائف بانتصار سعودي وتثبيت سيطرتها على مناطق النزاع. كان ذلك نجاحاً عسكرياً واضحاً لكنه لم ينهِ المشكلة اليمنية.
وفي 1962 أسقطت ثورة 26 سبتمبر النظام الإمامي فدعمت السعودية الملكيين بالمال والسلاح ضدالجمهورية التي ساندتها مصر عبدالناصر كانت المعركة يمنية في ظاهرها لكنها جزء من صراع أوسع مصر الناصرية في مواجهة السعودية المحافظة واليمن ساحة الصراع.
وهنا تظهر أهمية ماقاله محمد حسنين هيكل رحمه الله
في كتابه «سنوات الغليان» تناول حرب اليمن باعتبارها من أخطر ساحات الصراع العربي في الستينيات وربطها بالصراع المصري–السعودي وتوازنات المنطقة موضحاً أن اليمن لم يكن مجرد مسرح لحرب أهلية بل ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليميةودولية
وفي كتابه «الانفجار حرب الثلاثين سنة» واصل هيكل قراءة تلك المرحلة ضمن السياق الأوسع للصراع العربي وحرب يونيو 1967 والعلاقة المتوترة بين القاهرة والرياض ولم يكن يرى المسألةمجرد خلاف مع السعودية بل صراعاً على مستقبل النظام العربي ومن يملك التأثير فيه
انتهت حرب اليمن في السبعينيات ولم تعد الإمامة إلى الحكم الطرف الذي دعمته السعودية خسر مشروعه.
لكن السعودية لم تخرج من اليمن .
تغيرت الأدوات المال والقبائل والشخصيات السياسية وشبكات النفوذ إلى أن بنت السعودية لعقود علاقات وثيقة مع شيوخ القبائل للتأثير في القرار اليمني وكان الأمير سلطان بن عبدالعزيز من أبرز مهندسي هذه الشبكة خصوصاً منذ لقائه بالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر عام 1970ثم جاءت حرب 1994ووقفت الرياض ضد علي عبدالله صالح وكانت لها علاقات ودعم لقوى جنوبية معارضة له لكن مشروع الانفصال انهار وانتصر صالح.
مرة أخرى:
طرف تدعمه السعودية يخسر المعركة.
ثم جاءت ثورة 2011 دعمت السعودية المبادرة الخليجية وانتقال السلطة من صالح إلى عبدربه منصور هادي لكن في سبتمبر 2014 سقطت صنعاء بيد الحوثيين.
ثم جاءت عاصفة الحزم عام 2015 هذه المرة دخلت الرياض الحرب مباشرة آلاف الغارات مليارات الدولارات تحالف عربي وقوات ودعم سياسي واقتصادي وعسكري واسع.
ومع ذلك…
لم تعد صنعاء إلى الحكومة ولم يُهزم الحوثيون.
تحولت الحرب من محاولة لتحقيق نصر عسكري إلى البحث عن مخرج سياسي يضمن أمن الحدودالسعودية.
وهنا يصبح موقف هيكل في 2015 لافتاً إذ وصف قرار السعودية قيادة «عاصفة الحزم» بأنه «خطأ تاريخي» وربطه أيضاً بظروف انتقال السلطة داخل السعودية بعد وفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان للقيادةالجديدة
وقد يتفق المرء مع هيكل أو يختلف لكن السؤال الذي طرحه للتاريخ يستحق التوقف وهو هل تستطيع القوة العسكرية الخارجية أن تفرض على اليمن شكله السياسي؟
التجربة منذ 1934 تقول إن الإجابة ليست سهلة
فالسعودية نجحت في بعض الملفات انتصرت في حرب 1934 وحسمت النزاع الحدودي باتفاق جدة عام 2000 وامتلكت لعقود نفوذاً واسعاً داخل اليمن.
لكنها فشلت مراراً في تحويل هذا النفوذ إلى سيطرة سياسية مستقرة على اليمن.
وهذه هي المفارقة السعودية تستطيع التأثير في اليمن لكنها لا تستطيع بسهولة أن تحكم اتجاهه. تستطيع دعم حليف ثم تتغير مصالحه وتمويل قوة ثم تتبدل حساباتها بدعم حكومةباسندوة ثم تسقط صنعاء وتشن حرب ثم تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض.
فماذا يريد اليمن من الشقيقة والجارة الكبرى؟
اليمن لا يحتاج وصياً ولا حرباً بالوكالة ولا أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين الرياض وطهران أو غيرهما.
اليمن يحتاج دولة وسيادة واقتصاداً وسلاماً وحدوداً آمنة مع جيرانه.
والسعودية أيضاً تحتاج إلى يمن مستقر لأن اليمن المنهك لن يكون جاراً آمناً على المدى الطويل بينما اليمن المستقر يستطيع أن يكون شريكاً حقيقياً.
فالدرس من 92 عاماً
كلما حاولت قوة خارجية أن تصنع اليمن من الخارج أعاد اليمن تشكيل المعادلة من الداخل.
وهذا ما حدث في 1934 و1962، و1994، وبعد 2011، وبعد 2015.
اليمن يمكن أن يُهزم في معركة لكنه لا يُختصر في طرف ولا يُحكم من خارج حدوده.
محمد حسنين هيكل رحمه الله كتب عن اليمن في «سنوات الغليان» و«الانفجار: حرب الثلاثين سنة»، وربط قراءته بصراع النفوذ العربي وبعد عقود أعادت حرب 2015وحتى اليوم السؤال نفسه بصورة أخرى.
فهل كان هيكل يرى أبعد من السياسيين حقنا؟ أم أن اليمن هو الذي كان يقول الحقيقة منذ البداية؟





