الدكتور عادل الهجامي… الرجل الذي كشف الرحيل عظمة إنسانيته

بقلم/ مبارك عبدالقادر الشيباني :
بقلوب يعتصرها الألم مؤمنة بقضاء الله وقدره ودعنا الأستاذ الدكتور عادل عبد الولي الهجامي استشاري الأمراض الباطنية وأمراض الكلى وزراعتها وعضو هيئة التدريس بكلية الطب بجامعة صنعاء.
رحل الطبيب وانطفأت شمعة كانت تنير دروب المرضى لكنه ترك نورًا لن ينطفئ في قلوب من عرفوه ومن لم يعرفوه إلا بعد رحيله.
كان الدكتور عادل نموذجاً نادرًا للطبيب والإنسان. يقسم يومه بين المستشفى الحكومي حيث يتابع خدمة المرضى بكل إخلاص وبين عيادته الخاصة ثم ينتقل إلى مدرجات جامعة صنعاء ليغرس العلم وأخلاقيات المهنة في نفوس طلابه.لم يكن يرى الطب وظيفة، بل رسالة ولم يكن ينظر إلى المريض كرقم في ملف، بل كإنسان يستحق الرحمة والاهتمام.
كنت أظن أنني أعرف هذا الرجل جيدًا، لكنني أدركت بعد رحيله أنني لم أعرف إلا ظاهر سيرته أما جوهره الحقيقي فقد كشفته جنازته.
عند بدء مراسم التشييع وقفت مبهوراً أمام أمواج البشر التي توافدت من كل حدب وصوب. آلاف الوجوه البسيطة رجالًا وشباباً وشيوخًا، أنهكهم الفقر وأتعبتهم الحياة لكنهم حضروا ليودعوا رجلًا سكن قلوبهم قبل أن يسكن عياداتهم. كانت الدموع الصادقة والدعوات الخارجة من أعماق القلوب أكبر شهادة يمكن أن ينالها إنسان بعد رحيله.
ومن بين كلمات المرضى ومنشورات محبيه وروايات البسطاء، انكشفت الحقيقة التي أخفاها الدكتور عادل طوال حياته. فقد كان يعمل الخير بصمت، بعيداً عن عدسات الكاميرات وبلا انتظار لثناء أو شهرة.
روى كثيرون كيف كان يستقبل مرضاه بابتسامة تبعث الطمأنينة ويمنحهم الأمل قبل أن يكتب لهم الدواء، وكان يعفي غير القادرين من رسوم المعاينة بكل رقي بل ويتكفل في كثير من الأحيان بشراء الأدوية الباهظة من ماله الخاص حتى لا يعود مريض إلى منزله عاجزاً عن العلاج. فعل كل ذلك في صمت، حتى إن كثيراً ممن عرفوه عن قرب لم يكونوا يدركون حجم هذا العطاء.
لقد كان يداوي الكلى بعلمه لكنه في الوقت نفسه كان يجبر القلوب برحمته ويخفف أوجاع الفقراء بإنسانيته ويشتري بماله وعلمه رضا الله ودعوات المحتاجين.
عاش متواضعاً ورحل متواضعًا، لكن رحيله كشف مملكةً من الخير كانت مخفية عن أعين الناس.
إن القامات الإنسانية لا تُقاس بعدد المناصب ولا بالشهادات وإنما بما تتركه في قلوب الناس من أثر، وهذا الأثر هو ما صنع للدكتور عادل هذه الجنازة المهيبة وهذا الحزن الصادق الذي عمّ كل من عرفه أو سمع بقصته.
نم قرير العين يا دكتور عادل… فقد تركت إرثاً من الرحمة والإنسانية سيظل شاهدًا لك وذكراً طيباً لن تمحوه الأيام. وستبقى دعوات المرضى ودموع الفقراء ووفاء طلابك من أعظم ما يرافقك إلى دار الحق.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجعل كل مريض خفف ألمه وكل فقير أعانه، وكل طالب علمه وكل عمل خير أخفاه عن الناس نورًا يضيء قبره وثقلًا في ميزان حسناته وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.





