مسؤولية الكلمة ليست ترنداً… وحياة الناس ليست ساحة للتجارب!

بقلم / مجيب الكناني:
في الآونة الأخيرة، شهدنا ضجة واسعة حول ما يُتداول عن الدجاج والبيض، بين مؤيد للمقاطعة ومعارض لها، وبين من يقدم معلومات ومن يصدر أحكاماً وفتاوى، بل ومن يتحدث عن هرمونات وأضرار صحية وكأن الأمر حقيقة محسومة، دون أن يقدم دليلاً علمياً واضحاً أو مصدراً موثوقاً.
وهنا يجب أن نتوقف قليلاً…
الكلمة مسؤولية، والشهادة مسؤولية، والتأثير في الناس مسؤولية.
ليس كل ما يُقال في مواقع التواصل الاجتماعي حقيقة، وليس كل من امتلك هاتفاً أصبح طبيباً أو باحثاً أو مفتياً أو خبيراً في سلامة الغذاء.
وعندما تقول لملايين الناس: «لا تأكلوا هذا»، أو «اتركوا العلاج»، أو «هذا الطعام مسموم»، فأنت لا تنشر رأياً عابراً؛ أنت قد تؤثر في صحة إنسان، وفي رزق مزارع، وفي تجارة أسرة، وفي مصدر دخل عامل، وفي سوق كامل.
لذلك، يا أخي الكريم، من حقك أن تمتنع عن الدجاج أو البيض، ومن حق غيرك أن يأكله.
لكن لا تكن ريشة في مهب الريح؛ اليوم مع هذا، وغداً مع ذاك، وكلما تغير اتجاه الضجة غيرت اتجاهك معها.
اسأل: أين الدليل؟ من صاحب المعلومة؟ ما مصدرها؟ هل هي دراسة علمية موثوقة؟ وهل تم تفسيرها بشكل صحيح؟
أما أن نأخذ مقطعاً من شخص مشهور، أو تجربة شخصية، أو كلاماً متداولاً، ثم نحوله إلى حقيقة عامة ونبني عليه أحكاماً تمس صحة الناس وأرزاقهم… فهذه ليست مسؤولية.
ومن يريد أن يتحدث عن الهرمونات، أو سلامة الغذاء، أو أضرار منتج معين، فليتحدث بلغة العلم والحقائق والمصادر الموثوقة، لا بلغة التخويف والتهويل والأهواء.
ونقول للمشاهير والمؤثرين خصوصاً:
أنتم لا تملكون مجرد متابعين… أنتم تملكون تأثيراً.
والتأثير أمانة.
قبل أن تضغط «نشر»، تذكر أن خلف الشاشة إنساناً قد يصدقك، ومريضاً قد يترك علاجاً، وأباً قد يقطع قوت أسرته، ومزارعاً قد يخسر مصدر رزقه، وعاملاً قد يتضرر من قرار لم يكن له ذنب فيه.
لا تجعلوا صحة الناس ورزق الناس مادة للترند.
ولكل إنسان كامل الحق في أن يختار ما يأكل وما يترك، وأن يقتنع أو لا يقتنع؛ لكن الاختيار شيء، وتحريض الناس على قرار صحي أو غذائي خطير دون دليل شيء آخر تماماً.
أما التجربة الشخصية، فهي قد تخبرك بما حدث لك أنت، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الشيء نفسه سيحدث لكل الناس؛ العلم لا يُبنى على تجربة فردية واحدة، وإنما على أدلة ودراسات ومنهجية يمكن التحقق منها.
فلنختلف، ولكن بعلم، ولنناقش، ولكن بأدب، ولنحذر، ولكن بدليل، ولنتحدث، ولكن بمسؤولية.
فالكلمة قد تُكتب في ثوانٍ… لكن آثارها قد تبقى سنوات.
اتقوا الله في كلماتكم، وتحَرّوا الصدق قبل النشر؛ فحياة الناس وأرزاقهم ليست لعبة، وليست كل ضجة حقيقة، وليس كل مشهور مصدر للعلم.
بقلم/مجيب الكناني






