بيان النجمة الرابعة
غياب دي ماريا تسبب في تحول طريقة لعب الأرجنتين. كانت تمتع وتفوز. الآن لجأت إلى الواقعية والتكتيك ، والغاية هي الفوز في نهاية المطاف.
لم يجدوا بديلا ل دي ماريا.
كان جناح الأوكسجين للمنتخب. وكان موزع الضغط العالي الذي يخفف الضغط على ميسي.
عندما كان في الملعب، لم يكن بإمكان أي خصم، حتى فرنسا في نهائي 2022، أن يضع ثلاثة لاعبين لمراقبة ميسي؛ لأن ترك دي ماريا معزولاً على الجناح الأيسر كان يمثل إنكشاف كامل. غيابه جعل الدفاعات تركز على غلق العمق أمام ميسي، مما أفقد الأرجنتين السلاسة والمتعة في تدوير اللعب.
كان ميسي يمر كالماء ملتويا حول صخور الدفاع ومفتتا لها في نهاية المطاف ، بينما كان دي ماريا يمثل هزات الكهرباء والاندفاع العمودي الخاطف والتمريرات المقشرة والتسجيل من نصف الفرصة.
هذا المزيج بين هدوء ميسي المتغلغل كالماء الذي يصل إلى كل مكان، ولا شيء يستطيع الوقوف في طريقه، ومهماز دي ماريا الذي يشق الصفوف بخفة وذكاء ومهارة عالية ، هو ما كان يصنع التكامل الفعال بين اللعب الجميل وتحقيق الفوز في اداء المنتخب الأرجنتيني.
بدون دي ماريا، أصبحت الأرجنتين تمشي بأكملها على إيقاع ميسي الهادئ. لقد اعادت هيكلة المنتخب وغيرت طريقتة، وأصبح التكتيك حاضرا أكثر من اللعب المفتوح.
في كأس العالم 2022، كان ميسي في الخامسة والثلاثين، يملك مخزوناً بدنياً يسمح له بالجري وصناعة اللعب الفردي الممتع طوال الـ 90 دقيقة.
اليوم في 2026، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، تحول ميسي إلى لاعب يقتصد في الطاقة ويعتمد على الومضات ورفع النسق في نصف الساعة الأخيرة.
عندما يقرر النجم الأول والملهم للفريق أن يوفر طاقته ، فإن الفريق بأكمله يضطر تكتيكياً للعب بحذر، والتحول إلى أسلوب الاستنزاف والصبر، بدلاً من المغامرة والمتعة الهجومية.
في غياب دي ماريا وعدم وجود بديل بمستواه ، استخدمت الأرجنتين التكتيك والواقعية المقيتة في ادارة المباراة :خنق المنافس، استهلاكه بدبابات خط الوسط “دي بول، ماك أليستر، إنزو، ثم لدغه في الـ 20 دقيقة الأخيرة.
ما تفعله الأرجنتين في أمريكا، تجسيد للمكر الكروي والواقعية الشديدة التي يقودها سكالوني، وهي تتناغم تماماً مع الاقتصاد في الجهد.
لديها تكتيك أقرب إلى التنويم المغناطيسي. الأرجنتين بإمكانها أن تترك الكرة للمنتخب الخصم. يستنزفونه ذهنياً وبدنياً، يجعلونه يشعر بالسيطرة والأمان الزائف، بينما هم يغلقون المساحات بشراسة وروح قتالية لا تكل ولا تمل.
لقد رأيناها في مواجهاتها السابقة.
تستنزف الخصم تماما ، وعندما يتعب، وتتراخى خطوطه، تنقلب الأرجنتين إلى وحش كاسر. هنا يتحول ميسي من المتجول الكسل إلى المحتدم المسكون الذي يضرب العمق ويصول ويجول في الجهة اليسرى ، وتتحول معه الشراسة الأرجنتينية من الدفاع إلى الهجوم المكثف .
في مواجهة إسبانيا سيتغير تكتيك المنتخب الأرجنتيني.
رغم ان إسبانيا هي المنتخب الأفضل والأجمل في العالم الان، لكنها الأسهل امام الأرجنتين.
لا يخشى الأرجنتينيون اللعب المفتوح والنقلات الشبكية. خشيتهم كانت من القوة البدنية والإندفاع الخاطف الذي يميز فرنسا، والى حد ما إنجلترا.
الأسلوب الشبكي هو التوصيف الأدق للنسخة الحديثة من التيكي تاكا التي يلعبها المنتخب الإسباني.
لم تعد تستحوذ لمجرد الاستحواذ.
هي تصنع شبكة من المثلثات والمربعات الحركية التي تضمن خنق الخصم، واستخلاص الكرة في ثوانٍ معدودة بمجرد فقدانها.
تحولت الشبكة الإسبانية إلى فخ ديناميكي مرن يجمع بين الدفاع الديناميكي والسيطرة في العمق والفعالية الخطرة على الأطراف.
ومع ذلك ، ورغم تجاوزها أقوى منتخبات المونديال ، تبقى عقيمة تهديفيا، ومن الممكن إبطال فعاليتها بسهولة أمام منتخب شرس ولديه ميسي وبجانبه خبرة كافية يمتلكها المنتخب الأرجنتيني.
أسبانيا ليست المنتخب الذي يتعب وينكمش في النصف ساعة الاخيرة ، حتى لو كان منتصرا.
لذلك أتوقع أن يتغير اداء الأرجنتين وتكتيكاته كليا أمامها. لن ينتظر العشرين دقيقة الأخيرة لينقض عليها.
سيجاريها في اللعب ويسعى لكسرها من الدقائق الاولى إلى الاخيرة.
لا تستهينوا بالمنتخب الأرجنتيني.
هو ليس ميسي فقط.
هو منتخب مدمج ومنسجم ولديه متراكمة ويلعب بشراسة وبروح قتالية. هذا ما قاله زين الدين زيدان في بداية مباريات دور المجموعات.
مقولة زيدان تختصر كل شيء.
هذه الروح القتالية والشراسة اللاتينية ستخترق شبكة الجمال الكروي الإسبانية.
إذا كانت إسبانيا هي سيمفونية التمريرات وصناعة المثلثات والمربعات داخل الملعب، فأمامها الأرجنتين، المنتخب الناري المُدمج، والقادر على على التحكم بمسار أي مواجهة وإجادة التعامل معها ، من فترات النسق الصفري إلى الذروات التي يختارها لرفع مستوى الهجوم إلى حد الخنق والإطباق الكامل على الخصم ، أيا كان ؛ فرعون مصري، ديك فرنسي، اسد إنجليزي، أو حتى ثور إسباني هائج في النهائي.
نعم
نعرف أن ولدنا البرشلوني لامين يامال بكامل لياقته البدنية وروقانه المستمتع باللعب، ولكننا نعرف أيضاً أن أمامه غزال شغوف يطل على الأربعين يدعى ليونيل ميسي، يلعب بطريقة الماء القادر على المرور حول الصخور ومن فوقها ومن تحتها ، ويعرف جيداً متى يسير ومتى يطير، ويعرف كيف يصل هو ورفاقه إلى المرمى حتى عندما تكون الطرق كلها مسدودة ومغلفة.
منقول من صفحة الأستاذ مصطفى راجح






