لماذا نعقّد الحياة؟

بقلم / د. أمين عبدالخالق العليمي:

الحياة، في أصلها، أبسط بكثير مما نتصور، هي شروق شمس لا يطلب إذنًا، ونسمة هواء لا تعرف التكلّف، وابتسامة صادقة قد تغيّر يومًا كاملاً، لكن الإنسان، في كثير من الأحيان، يأخذ هذه البساطة، ويغلفها بطبقات من الحسابات، والظنون، والتكلف، حتى تصبح الأيام أثقل مما هي عليه.

كم مرة دخلنا مجلسًا، فلم نتحدث بما نشعر، بل بما نعتقد أنه سيعجب الآخرين؟ وكم مرة أخفينا كلمة طيبة خشية أن تُفهم على غير وجهها؟ وكم مرة حملنا في قلوبنا تقديرًا لإنسان، لكننا آثرنا الصمت لأن الكرامة في فهمنا الخاطئ تمنعنا من البوح؟

هنا يبدأ التعقيد، لا في الحياة، بل فينا:

تأمل طفلاً صغيرًا يلتقي صديقًا لأول مرة، لا يسأله عن نسبه، ولا مكانته، ولا رصيده، ولا انتمائه، يبتسم، فيبتسم الآخر، ثم تبدأ الحكاية، لا مؤامرات، ولا حسابات، ولا حبكات درامية، ولا أقنعة، إنها الفطرة التي خلق الله الناس عليها؛ ثم يكبر الإنسان، ويبدأ بجمع الأقنعة أكثر مما يجمع الذكريات.

قناع للمجالس، وقناع للعمل، وقناع للأصدقاء، وقناع للخصوم، حتى يأتي يوم يقف فيه أمام المرآة، فيبحث عن وجهه الحقيقي فلا يجده بسهولة.

ولست أدعو هنا إلى السذاجة، ولا إلى أن يهمل الإنسان الحكمة أو حسن التقدير، فالعقل نعمة، والتروي فضيلة، ولكن بين الحكمة والتكلف مسافة واسعة، وبين حسن التصرف واصطناع الشخصيات فرق كبير.

لماذا أصبحنا نحسب كل كلمة قبل أن ننطق بها، لا لأن الكلمة قد تؤذي، بل لأننا نخشى أن نظهر على حقيقتنا؟ ولماذا أصبح بعضنا يظن أن الذكاء هو أن يخفي ما يشعر به، وأن يفسر كل تصرف على أنه رسالة خفية أو خطة مدروسة؟

إن أكثر العلاقات جمالاً هي تلك التي لا تحتاج إلى مترجم، ولا إلى محلل، ولا إلى لجنة تحقيق، كلمة صادقة، واعتذار صادق، ووفاء لا ينتظر مقابلاً، تلك هي اللغة التي تفهمها القلوب قبل العقول.

اذكر قصة رمزية تقول إن مسافرين كانا يعبران صحراء واسعة، فوصلا إلى بئر ماء، انحنى الأول وشرب حتى ارتوى، ثم قال: الحمد لله؛ أما الثاني، فأخذ يفتش حول البئر طويلاً، ويتساءل: من حفرها؟ ولماذا هنا؟ وهل وراءها غاية خفية؟ وهل الماء آمن؟ وظل يسأل حتى غادر المكان عطشان.

ليست المشكلة في الأسئلة، وإنما في أن بعض الناس يؤجلون الحياة حتى يحصلوا على إجابات لكل شيء، وفي الحياة اليومية، قد تفسد علاقة كاملة بسبب رسالة لم تُكتب، أو كلمة جميلة تأخرنا في قولها، أو اعتذار أخفاه الكبرياء، أو حسن ظن قتله سوء التأويل، إننا نصنع قيودًا ثم نشكو أننا مقيدون، ونبني جدرانًا ثم نتساءل: لماذا لا يصل إلينا أحد؟ ونخفي مشاعرنا، ثم نعاتب الآخرين لأنهم لم يفهمونا.

الحقيقة أن الناس لا يقرؤون ما في الصدور، وإنما يسمعون ما تقوله الألسنة، ويرون ما تفعله الأيدي،

ما أجمل أن يعود الإنسان إلى فطرته، أن يفرح إذا فرح، وأن يشكر إذا امتن، وأن يعتذر إذا أخطأ، وأن يقول: أحبك في الله إذا أحب، أو أقدر لك هذا الموقف، أو سامحني إذا غلط، دون أن يشعر أن هذه الكلمات تنتقص من هيبته.

إن القوة ليست في بناء الحواجز، وإنما في القدرة على الصدق، والهيبة ليست في الغموض، وإنما في وضوح المبادئ، والذكاء ليس في تعقيد العلاقات، وإنما في تبسيطها.

لقد علمتنا الحياة أن القلوب الصافية قد تخسر بعض المواقف، لكنها تكسب راحة البال، أما الذين يعيشون خلف الأقنعة، فقد يربحون جولة، لكنهم يخسرون أنفسهم شيئًا فشيئًا؛ فلنجرب أن نكون أكثر تلقائية، وأكثر صدقًا، وأكثر رحمةً؛ لنجرب أن نُحسن الظن قبل إساءة التأويل، وأن نلتمس العذر قبل إصدار الحكم، وأن نقدم الكلمة الطيبة قبل العتاب، ربما لن يتغير العالم كله، لكن عالمنا الصغير سيتغير.

وسنكتشف، بعد رحلة طويلة من التعقيد، أن الحياة كانت تبتسم لنا منذ البداية، وأنها لم تكن يومًا معقدة، نحن فقط من أصررنا على أن نجعلها كذلك؛ لقد أصبحنا نستهلك أعمارنا في قراءة ما بين السطور، بينما الحقيقة غالبًا كانت مكتوبة في السطر الأول، نحلل النوايا، ونفتش عن المؤامرات، ونبني الاحتمالات، ثم نتعب من حملها، مع أن الحياة كانت تدعونا إلى أن نعيشها كما هي.

فما أجمل الإنسان حين يعود إلى فطرته، نقيَّ القلب، صادقَ اللسان، بسيطَ الروح، لا يعرف إلا وجهًا واحدًا، ولا يرتدي إلا ملامحه التي خلقه الله عليها، ولعلَّ أعظم إنتصار يحققه الإنسان في هذا الزمن، ليس أن يكون أذكى من الجميع، بل أن يبقى إنسانًا رغم كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى