الدليل الشرعي للحكم بالقصاص

القاضي.د/ عبدالكريم محبوب:
الأمور المثيرة للجدل في القضاء الجنائي موضوع الدليل الشرعي للحكم بالقصاص، المذكور في المادة (234) عقوبات، وعدم الفهم الصحيح لمفهوم هذا الدليل يترتب عليه نتائج وخيمه منها: 1- اهدار دماء سفكت بغير وجه حق 2- تغييب للعدالة في عدم الأخذ بالقصاص لأولياء الدم وهذا ما قد يودي إلى الانتقام 3- تشجيع الآخرين على سفك الدماء عندما يرون بأن القاتل يفلت من القصاص. يقول الله تعالى في كتابة الكريم: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب﴾
وهناك ممن يفهمون أن الدليل الشرعي في المادة المذكورة إنما يقتصر على شهادة الشهود، أو الاعتراف في مجلس القضاء، فاذا لم يتحقق أحد هاذين الدليلين فسرعان ما يقضى بسقوط القصاص لعدم توافر دليله الشرعي، ويحكم بالسجن والدية، حتى وإن وجدت أدلة أخرى؛ وإذا تأملنا إلى نص المادة (234) عقوبات والذي ينص في الفقرة الثانية منه على الآتي: “ويشترط للحكم بالقصاص أن يطلبه ولي الدم وأن يتوافر دليله الشرعي…إلخ”. سنجد أن المشرع اشترط للحكم بالقصاص توافر دليله الشرعي ، ولم يذكر على سبيل الحصر ما هو هذا الدليل، وإنما أورد اللفظ بصيغة النكرة، ولم يقل: وأن يتوافر الدليل الشرعي، ومن المعلوم أن النكرة تفيد الإطلاق، والمعروف في القواعد الأصولية والفقهية أن النص إذا ورد بلفظ الإطلاق غير مقيد بقيد وجب بقاءها على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بدليل معتبر، فما هو هذا الدليل الذي جعل هؤلاء يقيدون هذا اللفظ العام بشهادة الشهود أو الاعتراف القضائي فقط؟!، لا شك بعدم وجود أي دليل على ذلك.
وهنا يشار التساؤل حول ما هو الدليل الشرعي المقصود في تلك المادة السالف ذكرها؟ والاجابة هي أن لفظ الدليل الشرعي يشمل كل دليل نص عليه الشرع والقانون وقد حددت المادة (13) من قانون الأثبات الأدلة الشرعية بشهادة الشهود والاقرار والكتابة واليمين والقرائن الشرعية والقضائية والمعاينة وتقرير الخبراء واستجواب الخصوم، ونصت المادة (223) أ.ج على أنه تعد من أدلة الاثبات في الدعوى الجزائية ما يلي: شهادة الشهود وتقرير الخبراء واعتراف المتهم والمستندات والقرائن والأدلة الأخرى.
وبالتالي فكل دليل من هذه الأدلة يعتبر دليلا شرعياً إلا أنه لا يمكن القول بأن جميعها صالحة للحكم بالقصاص، إنما ما يمكن قوله: أن الأدلة الصالحة للحكم بالقصاص هي شهادة الشهود والاقرار القضائي والغير قضائي، والقرائن القاطعة، وبالنسبة لشهادة الشهود والإقرار في مجلس القضاء فلا خلاف حولهما، وإنما الخلاف في الدليلين الآخرين وهما الإقرار غير القضائي، والقرائن القاطعة، فمن الحكام من لا يؤمن بصلاحية هاذين الدليلين للحكم بالقصاص الشرعي وهو بذلك يخالف القواعد العامة الفقهية كما ذكرنا آنفاً بتخصيص المقيد دون دليل.
ونحن هنا نوضح بصلاحية هاذين الدليلين بالحكم للقصاص الشرعي ونؤيد رأينا بما يلي:
أولاً: بالنسبة للإقرار غير القضائي:
لو تأملنا إلى نص م (13) اثبات لوجدنا انها ذكرت من ضمن الأدلة( الإقرار) بلفظ عام ولم تقيده بالإقرار القضائي وكذلك بالنسبة للمادة (223) أ.ج والتي ذكرت اعتراف المتهم بلفظ عام ولم تقيده بالاعتراف القضائي.
والمادة (78) اثبات عرفت الإقرار بأنه: “إخبار إنسان شفاهه أو كتابة عن ثبوت حق لغيره على نفسه”، ولم تشترط أن يكون هذا الاخبار في مجلس القضاء، والمادة (84) اشترطت في الإقرار شروطاً للاحتجاج به ولم تذكر من هذه الشروط أن يكون أمام القضاء، بل أن المادة (85) أكدت على حجية الإقرار غير القضائي بشرط أن يكون مشهوداً عليه، ونصت المادة (87) على أن الإقرار حجة قاطعة على المقر ويجب إلزامه بما أقر به.
من خلال سرد هذه المواد يتبين لنا بأن الإقرار حجة قاطعة إذا توافرت شروطه ولو لم يصدر في مجلس القضاء، وبالتالي فهو دليل كاف لذاته ولا يحتاج إلى دليل آخر يعززه، ويمكن الحكم بالقصاص الشرعي بناء عليه، وهذا ما حكمت به المحكمة العليا في أحكام عديدة، فمن أحكامها إقرار حكم بالقصاص بناء على اعتراف المتهم أمام شيخ المحل المشهود عليه. أنظر الحكم رقم (46296) الصادر بتاريخ 7/5/2013م؛ وفي حكم آخر نصت على أنه لا يحق للمحكمة المطعون في حكمها إغفال اعترافات المتهم المدونة في محاضر جمع الاستدلالات الثابتة بإقراره المشهود عليها إلا بناء على دليل ناف لها. أنظر الطعن رقم (49609) ق مكتب فني 16- صفحة رقم 17 القاعدة رقم 6.
من هنا يتبين لنا كفاية الإقرار غير القضائي المشهود عليه للحكم بالقصاص الشرعي.
ثانياُ: القرائن:
هذه المسالة تثير جدلاً واسعاً والغالب يذهب الى عدم صلاحية القرائن للحكم بالقصاص، ويحتجون بما جاء في نص المادة (234) عقوبات من القول: ” فإذا تخلف أحد الشرطين أو كلاهما واقتنع القاضي من القرائن بثبوت الجريمة في حق المتهم أو إذا امتنع القصاص أو سقط بغير العفو يعزر الجاني بالحبس ….إلخ” ووجه الاحتجاج بهذا النص – حسب زعمهم – أنه لو كانت القرائن تكفي للحكم بالقصاص لما ذكر بأنها تسقط القصاص وتوجب التعزير بالحبس، ونحن نرد على هؤلاء بالقول بأنه يجب أن نفرق بين القرائن البسيطة والقرائن القطعية فالمقصود بالقرائن المذكورة في النص المذكور هي القرائن البسيطة المذكورة في نص المادة ( 158) إثبات والتي نصت على أن القرائن البسيطة غير القطعية هي: “التي لا تقطع بثبوت الواقعة المراد اثباتها وإنما ترشح لثبوتها وقد تحتمل ذلك وغيره ولا تعتبر دليلا قطعياً يغني عن المطالبة بإقامة البينة القانونية على ما يدعيه وإنما يجوز للمحكمة أن تستأنس وتستكمل الدليل على أساسها”، فهذه القرائن هي المقصود في نص المادة (232) عقوبات فهذه القرائن ليست حجة قاطعة يمكن الحكم بالقصاص بموجبها، إلا أنه يمكن للقاضي أن يستأنس بها للحكم على المتهم بالحبس والدية، إذا تعاضدت هذه القرائن، وغلب على ظن القاضي من خلالها ارتكاب المتهم للجريمة.
أما بالنسبة للقرائن القاطعة فإنه وإن كان هناك خلاف بين الفقهاء حول صلاحية هذه القرائن للحكم بالقصاص، فمنهم من يرى صلاحيتها لذلك، ومنهم من يرى عكس ذلك، إلا أنه وبسبب انتشار القتل في الأواني الأخيرة، وفلت الجناة من القصاص لصعوبة إثباته، فقد أجاز الفقهاء إثبات القصاص بالقرائن، وهذا الاتجاه هو الذي أخذ به المشرع اليمني، الذي أجاز الحكم بالقصاص بالقرائن شريطة أن تكون قاطعة، حيث نصت المادة (155) إثبات معدل الفقرة (ب) – على أن القرائن القضائية هي ما تستنبطه المحكمة من الأمور الواقعية أو المعاينة التي تدل على صور الحال في القضية، كخروج شخص من داره في يده سكين تقطر دماً أو سلاح ناري عليه أثر الاستعمال مع وجود قتيل في الدار، والنكول عن اليمين.
واعتبرت هذه المادة القرائن المذكورة قرائن قوية وقاطعة، وهذا ما يفهم من خلال تعريفها للقرائن البسيطة في الفقرة (ج) منها، بقصد التمييز بين تلك القرائن وبين القرائن البسيطة، حيث أنها عرفت القرينة البسيطة: بأنها التي: “لا تصلح دليلاً مستقلا ولكن تستأنس بها المحكمة”، ويستشف من هذا التعريف، وفقا لقاعدة “مفهوم المخالفة”، بأن القرينة القاطعة سواء كانت قانونية أم قضائية فإنها تصلح لأن تكون دليلا مستقلا للحكم بموجبها.
وإذا تأملنا إلى الثلاثة الأمثلة التي ضربها المشرع في الفقرة (ب) من المادة السابقة، سيظهر لنا بجلاء قصد المشرع من ضرب هذه الأمثلة تحديدا، فقد تعمد في المثالين الأوليين أن يضربهما في أفعال القتل، إشارة منه إلى أنه يمكن الحكم بهذه القرائن حتى في قضايا القتل العمد، وقصد من ضرب المثال الثالث إلى جانب المثاليين الأوليين، مع الاختلاف البين بين النوعيين فالمثالين الأوليين جنائيين متعلقين بالقتل العمد، وأما المثال الثالث فهو مدني بحت، والمشرع لم يفعل ذلك اعتباطا، وإنما قصد من ذلك الإفهام بأن المثالين الأوليين لهما نفس الحجية التي للمثال الثالث، الذي أورده معهما، ومن المعروف أن مسألة النكول عن اليمين لها حجية كاملة بموجبها يفصل القاضي في الدعوى لصالح الطرف الخصم للناكل عن اليمين، وكذلك الحال بالنسبة للمثالين السابقين، فإن لهما نفس الحجية التي منحها الشارع للمثال الثالث، وبالتالي فإن القاضي يمكنه أيضا أن يفصل في قضايا القتل العمد بموجب القرائن القضائية، وأن يحكم بالقصاص بموجبها، بشرط أن تكون هذه القرائن قاطعة، وأن يقتنع القاضي من خلال هذه القرائن قناعة تامة بأن هذا الشخص المتهم أمامه هو من ارتكب الجريمة.
وهذه الدلالة أكدتها أيضاً المادة (157) من نفس القانون التي نصت على الآتي: “للمحكمة أن تأخذ بالقرينة القاطعة القضائية التي يمكن استنباطها من وقائع الحال وأن تعتبرها دليلاً كاملاً على الواقعة المراد إثباتها في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وهي الأموال والحقوق ويجوز للخصم أن يثبت أنها غير صحيحة بالبينة القانونية”.
والله الموفق…..
القاضي.د/ عبدالكريم محبوب.. عضو نيابة النقض في المحكمة العليا – عدن.. عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء – عدن





