تعز بين حصار اليوم وحصار الأمس

عبدالناصر المودع :
يختلف الحصار المفروض الآن على مدينة تعز اختلافًا نوعيًا عما كان عليه في بداية الحرب، سواء من حيث طبيعته أو نتائجه الإنسانية والسياسية والعسكرية.
ففي عام 2015 وما تلاه، كان الحصار جزئيًا، ويشمل بعض المناطق والأحياء؛ لأن الحوثيين والقوات التي كانت تقاتل معهم كانوا موجودين في معظم مناطق المدينة وأجزاء من المحافظة. وكان الحوثيون يحاصرون الأحياء التي يُهزمون فيها ويُجبرون على الانسحاب منها.
وفي المقابل، كان معظم ريف تعز، وتحديدًا مناطق الحجرية وأجزاء من جبل حبشي ومن صبر، خارج سيطرة الحوثيين، وهو ما مثّل عمقًا جغرافيًا وسكانيًا واقتصاديًا للمقاتلين في المدينة.
والأهم من ذلك أن المعركة في تعز كانت تجري في ظل روح وظروف سياسية وعسكرية مختلفة تمامًا. ففي تلك المرحلة، كانت الحرب في ذروة زخمها، والدعم الخارجي في أعلى مستوياته، وكان الحوثيون في حالة تراجع، لا في مرحلة تمدد. وكان هناك مقاتلون عقائديون، مثل السلفيين وداعش والقاعدة، يقاتلون الحوثيين بحماس عقائدي، وهو ما جعلهم أكثر المقاتلين عنفًا وفعالية في مواجهتهم.
وفوق ذلك، كانت آمال المقاتلين والسكان العاديين ومعنوياتهم عالية؛ إذ كان الحديث يدور حول استعادة الدولة، وهزيمة الحوثيين، والتقدم إلى صنعاء، وتحقيق الشعارات التي كانت تُرفع.
أما الظروف الحالية فتختلف عن ذلك الوضع تمامًا. فقد أصبحت تعز محاصرة بشكل شبه كامل، في ظل نشوة حوثية بالانتشار والتمدد الداخلي، وهجمات تطال السعودية، وبعد أن سيطر الحوثيون على ريف تعز بسهولة ودون مقاومة كبيرة.
يضاف إلى ذلك أن مدينة تعز، التي سيطر عليها حزب الإصلاح، قدمت أحد أسوأ نماذج الحكم. فقد كانت هذه السيطرة خلطة فاسدة جمعت تنظيم الإصلاح، الذي لا يجيد سوى البروباجندا وجمع التبرعات وخلطات العسل والحبة السوداء ومن يُسمَّون في تعز «المفصعين» أو «البلاطجة» والذي كانوا أدوات الحزب في السيطرة على السكان.
وقد نتج عن هذه الخلطة نقص في الخدمات وفساد مالي وإداري وانتهاك الحقوق، وكان من تجلياتها القبيحة قتل افتهان المشهري والترقيع القبيح لمفاعيل تلك الجريمة.
فقد كشفت تلك الجريمة وطريقة معالجتها طبيعة حزب الإصلاح والبلاطجة الذين يعتمد عليهم في حكم تعز.
ويختلف هذا النموذج السيئ عن الآمال العريضة التي علّقها أبناء تعز أثناء مقاومتهم للحوثيين في عامي 2015 و2016. فقد كانوا في ذلك الوقت، يحدوهم الأمل بأن يجدوا، بعد هزيمة الحوثيين، دولة المواطنة والنظام والقانون، والمجتمع المدني والديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي صاغتها وتواصل صياغتها البروباجندا التابعة للإصلاح.
أما اليوم، فإن من يقاوم الحوثي منهم يفعل ذلك وفي ذهنه حكم الإصلاح ومفصعوه ونموذجه الفاسد. وهذا يعني بأنه يقاومهم بنفسية هشة ومنكسرة، تسهل للحوثيين النصر والاختراق.
ومع ذلك، أرجّح أن الغالبية الساحقة من سكان مدينة تعز تفضّل حزب الإصلاح وبلاطجته على الحوثي، مهما حاول الحوثي ودعاياته وأتباعه من أبناء تعز الترويج لسرديته، وتقديم نفسه باعتباره سلطة منضبطة، قادرة على توفير الخدمات وضبط المنفلتين، مقارنة بما فعله ويفعله الإصلاح في المدينة.
والسبب، إلى جانب البعد المناطقي، يكمن في الخطورة الاستراتيجية للحوثي وحكمه، وما يترتب عليه من تبعات بعيدة المدى، ومن صعوبات هائلة في إخراجه من مدينة تعز إذا استعاد السيطرة عليها.
فحزب الإصلاح يظل، في النهاية، حزبًا يدّعي أنه تابع للشرعية، ويحتكم إلى أوامرها وأوامر الطرف الخارجي الداعم لها. ومن ثم، يمكن إخراجه أو إضعاف سلطته في تعز بسهولة نسبية مقارنة بالحوثي، الذي لن يكون إخراجه، إذا سيطر على المدينة، إلا بدمار هائل وضحايا يفوق عددهم بكثير عدد الضحايا خلال الحصار السابق.
أما الآثار الإنسانية للحصار، فهي الأخرى تختلف عما كانت عليه في المرحلة السابقة. فكما ذكرت، كان الحصار يشمل أحياء صغيرة، وكانت هناك طرق تصل عبرها الإمدادات إلى المدينة من ريف تعز، قادمة من عدن، إلى جانب دعم خارجي كبير خفّف من وطأت الحصار.
لكن اليوم، هناك ما لا يقل عن نصف مليون إنسان يعانون وسيعانون من حصار خانق، بينما كان الحصار السابق يشمل عشرات الآلاف، وفي بعض الفترات ما بين خمسين وسبعين ألفًا من سكان الأحياء المحاصرة.
ولهذا، فإن حصار تعز اليوم ستكون له آثار إنسانية كارثية. فانقطاع المشتقات النفطية والغاز والسلع الغذائية عن نصف مليون إنسان سيخلق كارثة ضخمة ستتصاعد مع استمرار الحصار.
وفي الجانب المقابل، لم يعد الحوثي يعتمد على تلك المجاميع الصغيرة التي كان يقاتل بها في بداية الحرب، بل أصبح يمتلك موارد هائلة من المقاتلين والمعدات والأسلحة القادرة على الوصول إلى أي نقطة داخل مدينة تعز.
كما أنه أعدّ العدة لاختراقات واسعة بين السكان؛ إذ لديه آلاف من أبناء المدينة المستعدين للعمل طابورًا خامسًا داخلها، إلى جانب طابور خامس من خارجها يتواصل بكثافة مع سكان تعز، ويحثّهم على عدم المقاومة والاستسلام للحوثي، ويعدهم بالأمن والسلام والأمان إذا سلّموا المدينة دون مقاومة. وفي الوقت نفسه، يعرض الحوثي على قادة الإصلاح ممرات آمنة للخروج.
وتعني هذه المعطيات أن كفة القوة والغلبة تميل إلى الحوثي، وأن احتمال استسلام تعز، أو سيطرته على المدينة كلها أو على بعض مناطقها، بالعمل العسكري والسياسي والاختراقات، أمر وارد في ظل هذا المشهد.
هذا المشهد الكئيب هو نتيجة سلوك عبثي بدأ منذ اليوم الأول للحرب، التي لم يكن هدفها القضاء على الحوثي، وإنما تفتيت اليمن إلى إقطاعيات عسكرية، واحتواء الحوثي في منطقة جغرافية محددة.
وهذه الاستراتيجية هي التي منعت هزيمته في بداية الحرب، حين كانت الظروف الداخلية والخارجية كلها مهيأة لإلحاق هزيمة ساحقة ماحقة به، لو كانت الاستراتيجية تهدف إلى هزيمته، وليس احتواءه.
ومن المحزن جدًا أن ملايين السكان في مدينة تعز وريفها سيعانون على كل المستويات، وسيفقد كثيرون أرواحهم وتُهدر دماؤهم في المعارك الدائرة الآن، وفي تلك التي ستدور مستقبلًا، فضلًا عن الضحايا الذين سيسقطون نتيجة الحصار، وما يتبعه من نقص الخدمات والغذاء ومياه الشرب وغيرها.



