رشاد الأكحلي ..عندما تكون “الدولة” رجلاً واحداً

محمد الحكيمي
في عام 2015 وحين انطلقت شرارة المقاومة الشعبية في تعز واجهت المدينة فراغاً موحشاً خلفه رحيل المسؤولين الذين تركوا مكاتبهم نهباً للريح وللمليشيا وأصبحت السلطة عبئاً يتهرب منه الكثيرون خشية دفع الضريبة أو فقدان المصالح ، في تلك اللحظة الحرجة اختار المهندس رشاد الأكحلي أن يكون هو الدولة حين غاب الجميع ، واضعاً روحه على كفه لمواجهة المجهول ، ومجسداً مفهوم أن الانتماء موقف تترفع قيمته عن حدود الختم الرسمي أو الجاه الزائف .
بينما كانت قوافل المغادرين تيمم شطر النجاة ، بقي وكيل محافظة تعز وحيداً في الميدان ، يقاوم تداعي المؤسسات ومنع سقوطها ، تمسك بصفته الرسمية ، وكان في تلك اللحظات الصعبة يمثل روح المؤسسة بصورها كافة ؛ هو المحافظ في اتخاذ القرار ، والمدير في تصريف الشؤون ، والجندي في ثبات الموقف ، والمواطن في مقاسمة الوجع ، صار الخيط الرفيع الذي يربط ما تبقى من كيان الدولة بالواقع المتشظي ، صامداً في زمن سقطت فيه الرهانات ، متمسكاً بكرامة مدينة خذلها الكثيرون .
لم يتوقف دور الأكحلي عند البقاء الرمزي ، فقد كرس وقته وجهده لمتابعة ملف الخدمات العامة المنهارة ، منسقاً الجهود لضمان استمرار الحد الأدنى من مقومات الحياة للمواطنين تحت الحصار ، بذل جهوداً مضنية وتحمل المشاق لتهيئة الظروف لعودة المؤسسات الحكومية للعمل من وسط الركام ، مؤمناً بأن بقاء مؤسسات الدولة هو الحصن المنيع الذي يحمي المجتمع من الفوضى الشاملة ، ومسابقاً الزمن لإعادة الروح إلى الهيكل الإداري للمحافظة .
تجاوز دور الأكحلي حدود العمل الإداري ، فقد غدا محركاً حيوياً للمقاومة ، ينسج خيوط التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية ببراعة الخبير ، ويجمع الشتات ويوحد الجهود نحو هدف التحرير الأسمى ، حمل على كاهله أثقالاً ومهاماً جسيمة ، حتى صار مشهد إرهاقه البادي على جسده يثير فينا الشفقة ، ومع ذلك ظلت عزيمته صلبة ، واجه الصعاب بروح لا تعرف الكلل .
هنا تتجلى الفرادة في سيرة هذا القائد ؛ ففي الوقت الذي استثمر فيه البعض الحرب لتحقيق مكاسب شخصية ، وخرجوا منها بمناصب رفيعة وعقارات وأرصدة ، ظل رشاد الأكحلي كما عرفه الناس دائماً : “الرجل الذي حمى الدولة ولم يسرقها” ، ويقف صموده الأخلاقي شاهداً حياً على ترفعه ، إذ نجد هذا الرجل الذي أدار شؤون المحافظة في أحلك ظروفها ، لا يزال حتى يومنا هذا يقطن في منزل للإيجار ، في صورة تجسد أسمى معاني التعفف والنزاهة ، لقد نظر إلى الحرب كواجب مقدس لرفع معاناة المواطنين وتحرير الأرض ، متمسكاً بقناعته الراسخة التي تجعل من خدمة الناس غاية أسمى من أي غنائم مادية .
إن الحديث عن المهندس رشاد الأكحلي يتجاوز فكرة المديح الشخصي فهو إنصاف للمبادئ الوطنية التي جسدها بصدق ، هو تذكير بأن تعز ولادة بالرجال الذين لا يقبلون المساومة على كرامتهم بذهب الأرض ، إن من حافظ على هيبة الدولة في زمن الفوضى ، يظل مرجعاً أخلاقياً وشهادة حية على أن الضمير الوطني هو أبقى من المناصب والقصور .
شكراً للمهندس رشاد الأكحلي .. فقد كنت الدولة حين غابت ، وكنت الأمل حين انقطع .
@إشارة



