نفق سراييفو! حماية تعز

د. مروان الغفوري:
عندما وقفتُ على مرتفعات سراييفو في ربيع هذا العام خطر لي أن المدينة تأخذ شكل ملعب كرة قدم، والجبال مدرجات تحيطها من كل جانب. هي كذلك. حاصرها الصرب بدرجة ٣٦٠ْ ومارسوا عليها أعلى مستويات الضغط العسكري. كانوا فاشيين وغشيميين، تشهد على وحشيتهم مئات المقابر التي أقامها السكان بين أحيائهم وصارت متاحف حية. عندما أقرأ عن تلك الفاشية لا أتخيل سوى شيء واحد: عبدالملك بدر الدين الحوثي.
هنا قررت “الجدة شيدا” وزوجها حفر نفق يعبر من منزلها إلى أقرب نقطة إمداد. اشترك المقاومون البوسنيون في حفر نفق طوله ٨٠٠ متراً، أنجز في صيف ١٩٩٣. ما إن افتتح النفق حتى تدفقت أطنان السلاح: البندقية. الذخيرة. الهاونات. المدفعية. والصواريخ المضادة للدروع.
بمعدل ٢٠ طنا في اليوم تدفقت الذخيرة، وأهمها مضادات الدروع،. هكذا حافظ المقاومون على استقلال المدينة التي تسمى عن استحقاق أورشليم أوروبا.
كان الصرب يصرون على تصفية النموذج الثقافي الذي تمثله سرايبفو من أجل تحويلها إلى شيء آخر يلائم الخيال الفاشي.
ثم صار المقاومون يتسللون من خارج المدينة، بالآلاف، لدعم الأبطال في الداخل وإراحتهم.
لا تفقدوا اتصالكم بتعز ومقاومتها، إياكم.
تحتاج تعز لنفق الجدة شيدا، من أجل حماية أورشليم اليمن.
ثمة ألف طريقة لدعم مقاومة المدينة، وجبلها صبر. الحوثي، وسلالته المنوية، سيدركهم التعب ولكن ليس غداً.
ماذا لو أنزل السلاح إلى صبر وأماكن أخرى، وهاجم الطيران كل يوم ٥٠ عربة حوثية؟
خلال عشرة أيام سيكون سرب من الآلات مقداره ٥٠٠ عربة قتالية قد تعرض للفناء. ستتغير الموازين ساعتئذ. الأمر يسير، التقاعس سيكون باهضاً. تعز هي الحصن الأول والأخير لليمن الجمهوري، الوحدوي، العربي، المتنوع. إذا انتصرت تعز فستخرج من الحصار إلى فك الحصار عن الآخرين. إياكم أن تطفئوا بقعة الضوء، فلن تعود إليكم بصائركم قبل نهاية القرن. أعني ما أقوله.
معركة مدينة تعز لا تجري في الهامش بل في المتن. على السعودية، وهي للأسف تقف وحيدة مع نفسها وإلى جانب اليمنيين، أن تلقي بسنارتها في تعز. معركة تعز ستلقي بظلالها على المنطقة بالكامل، وهذه ليست مبالغة.
استثمرت السعودية في السلاح والجيش لقرن من الزمان، وهذه هي المعركة التي استحقت ذلك التعب. معركة لا ينفع معها التراخي ولا الأماني. يتحتم على الدول الكبرى أن تكون جاهزة للحرب، وأن لا تتردد حين يأتي الوقت. الحرب جزء من حقيقة هذا العالم. منذ العام ١٩٩٠ وحتى الآن شهد العالم ٣٥٠ حرباً، أغلبها ضد مجموعات متمردة. هذه الحرب ستكبر يوماً بعد يوم، وإذا عبرها الحوثي فسيصير إلى تنين.
الحوثي في ريف تعز هش، وتائه. الآن، وليس غداً، لا بد من حركة براغيث، مقاومة شاملة ومنظمة. تفتقر تعز لشخصية مركزية. المحافظ مسكين، بل لا تجوز في حقه اللغة. يريد أهل تعز في الداخل والشتات أن يخاطبوا قائدا بعينه، قائد المعركة، من بيده الجهاز بأكمله. لتكن هناك غرفة عمليات مشتركة ولتخترع قائداً، هذه ليست مسألة ثانوية.
يتعين علينا أن نمنع اختراق الحوثي للمدينة، وأن يتحرك الريف التعزي بأكمله. إياكم أن تخسروا تعز، إن فعلتم فستخسرون عدن والمكلا، ثم سقطرى والمضائق. ثم ما وراء الحدود.
يمكنني هنا أن أسرد لكم نماذج كثيرة لمحارب لعين نزل من الجبال وأسقط إمبراطوريات.
بالمناسبة:
كانت القبائل الجيرمانية مجرد مزحة ترددها النخبة في روما، ثم انهارت الإمبراطورية بجلالة قدرها ولم تعد أبداً.
م غ



