26 سبتمبر… يومٌ لم ينتهِ.. من سلسلة جمهورية تحت الانتظار

بقلم : موسى أحمد 26 سبتمبر 2026م:
هناك تواريخ تمر على الإنسان مثل بقية الأيام.
وهناك تواريخ لا تمر.
تبقى في الذاكرة لا لأنها أرقام مكتوبة في كتاب بل لأنها كانت يومًا بدايةً لشيء أكبر من اليوم نفسه
والسادس والعشرون من سبتمبر واحد من تلك الأيام.
في مثل هذا اليوم قبل أربعة وستين عامًا لم يكن اليمن كما نعرفه اليوم.
كان بلدًا يعيش مرحلة مختلفة من تاريخه تحت حكم الإمامة في شماله وسط واقع سياسي واجتماعي واقتصادي اتسم بالعزلة وضعف الإدارة وارتفاع الأمية وكانت هناك حركة معارضة ومحاولات سابقة للتغيير قبل أن تصل البلاد إلى لحظة سبتمبر 1962م. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن وفاة الإمام أحمد في سبتمبر 1962م وتولي ابنه محمد البدر الحكم سبقت بأيام قيام الثورة وإعلان الجمهورية في 26 سبتمبر.
ثم جاء ذلك اليوم.
وفي السادس والعشرين من سبتمبر 1962م أُطيح بالنظام الملكي وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية. ولم يكن الطريق بعد ذلك مفروشًا بالورود فقد اندلعت حرب أهلية استمرت سنوات وتداخلت فيها عوامل داخلية وتدخلات إقليمية ودولية وتحول اليمن إلى ساحة صراع أوسع من حدوده.
لكن مهما اختلفت القراءات السياسية والتاريخية لتلك المرحلة تبقى حقيقة لا يمكن تجاوزها: أن اليمن دخل بعد 26 سبتمبر مرحلة جديدة من تاريخه.
وهنا تبدأ الحكاية.
لم تكن الثورة مجرد تغيير في القصر.
الثورة في معناها الأوسع كانت سؤالًا عن الإنسان.
هل يولد الإنسان تابعًا أم مواطنًا؟
هل يكون مستقبل الإنسان محددًا قبل أن يبدأ حياته؟
هل تكون السلطة امتيازًا مغلقًا أم مسؤولية أمام الناس؟
هل يكون التعليم حقًا أم ترفًا؟
هل يكون القانون فوق الجميع أم أن الناس درجات أمام السلطة؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل 26 سبتمبر أكبر من تاريخ.
لأن الثورات الحقيقية لا تقاس فقط باللحظة التي تسقط فيها سلطة وتقوم أخرى تقاس بما تفتحه من أبواب أمام الإنسان.
ولهذا فإن من الخطأ أن نختصر 26 سبتمبر في أسماء القادة والضباط والمعارك.
الأسماء مهمة.
والشهداء مهمون.
والوقائع مهمة.
لكن الإنسان هو الغاية.
ذلك الطفل الذي كان يريد أن يذهب إلى مدرسة.
ذلك الشاب الذي كان يحلم بأن يتعلم ويعمل ويصنع مستقبله.
ذلك الأب الذي كان يريد لأبنائه حياة أفضل من حياته.
تلك الأم التي كانت تريد أن ترى أبناءها أحرارًا في وطنهم.
هؤلاء جميعًا هم المعنى الحقيقي لأي ثورة.
ولهذا أقول:
26 سبتمبر لم تكن ثورة على الماضي فقط بل كانت محاولة لفتح باب المستقبل. ثم إن سبتمبر لم تكن جزيرة منفصلة في التاريخ اليمني.
بعد عام واحد فقط جاءت 14 أكتوبر 1963م من جبال ردفان وانطلقت الثورة في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني واستمر الكفاح حتى تحقق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م. وتشير المصادر اليمنية التاريخية إلى وجود ترابط وإسناد متبادل بين مساري سبتمبر وأكتوبر وإلى أن نجاح سبتمبر وفّر ظروفًا ومساندة مهمة للكفاح الذي قاد إلى ثورة أكتوبر.
وهنا يصبح التاريخ أجمل من مجرد أرقام.
26 سبتمبر…
ثم
14 أكتوبر…
ثم
30 نوفمبر…
ثم بعد سنوات طويلة من التحولات والتجارب والاتفاقات جاء 22 مايو 1990م وأُعلنت الجمهورية اليمنية بعد اتفاق الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وتُظهر وثيقة الأمم المتحدة الخاصة باتفاق إعلان الجمهورية أن الاتفاق أُبرم في صنعاء في 22 أبريل 1990م ودخل حيز التنفيذ في 22 مايو 1990.
ثلاثة تواريخ كبرى في ذاكرة اليمن الحديث:
26 سبتمبر… الجمهورية.
14 أكتوبر… التحرر والاستقلال.
22 مايو… الوحدة.
لكنها ليست ثلاثة تواريخ معلقة على جدار.
إنها محطات في رحلة طويلة بحث فيها اليمنيون عن وطن أكثر حرية وأكثر قدرة على أن يكون وطنًا لجميع أبنائه.
ولذلك فإن الحديث عن 26 سبتمبر من دون الحديث عن 14 أكتوبر ناقص.
والحديث عن أكتوبر من دون تذكر حلم الوحدة ناقص.
والحديث عن الوحدة من دون أن نسأل عن الإنسان اليمني ناقص أيضًا.
لأن التاريخ ليس سباقًا بين التواريخ.
التاريخ سلسلة من الأسئلة.
ماذا أراد الذين سبقونا؟
وماذا تحقق؟
وأين أخطأنا؟
وماذا بقي علينا أن نفعل؟
وهنا ربما يكون السؤال الأكثر قسوة في ذكرى سبتمبر:
ماذا فعلنا نحن بما تركه لنا الذين سبقونا؟
احتفلنا.
رفعنا الأعلام.
رددنا الأناشيد.
كتبنا المنشورات.
تحدثنا عن الشهداء.
لكن هل حافظنا على القيم التي دفعوا ثمنها؟
هل جعلنا المواطن متساويًا في حقه وكرامته؟
هل جعلنا القانون فوق الأشخاص؟
هل جعلنا الدولة أقوى من الولاءات الصغيرة؟
هل جعلنا التعليم طريقًا حقيقيًا للمستقبل؟
هل جعلنا اختلاف اليمنيين سببًا للتعارف لا سببًا للاقتتال؟
هل حافظنا على معنى الجمهورية باعتبارها دولة مواطنين لا مجرد اسم على الأوراق؟
هذه الأسئلة ليست إساءة إلى الثورة.
على العكس.
هذه هي الطريقة الوحيدة التي نحترم بها الثورة.
فالثورة التي نحتفل بها مرة كل عام ثم نترك قيمها تموت بقية العام تتحول مع الوقت إلى ذكرى.
أما الثورة التي تدخل المدرسة والجامعة والبيت والمحكمة ومكان العمل وسلوك الإنسان فتظل حية.
ولذلك لا أعتقد أن الحفاظ على 26 سبتمبر يعني أن نكرر كلمات الماضي نفسها.
الحفاظ عليها يعني أن نفهم لماذا خرج الناس من أجل التغيير.
أن نفهم معنى أن يكون الإنسان مواطنًا.
أن نفهم أن الدولة ليست شخصًا.
وأن الجمهورية ليست شعارًا.
وأن الوطن ليس ملكًا لمن يحكمه.
وأن السلطة ليست ميراثًا.
وأن القانون لا ينبغي أن يعرف اسم العائلة قبل أن يعرف حق الإنسان.
والأهم من ذلك كله:
أن نعلّم أبناءنا لماذا حدثت 26 سبتمبر لا متى حدثت فقط.
فالطفل الذي يعرف أن الثورة قامت في 26 سبتمبر 1962 حفظ معلومة.
أما الطفل الذي يفهم أن الإنسان يستحق الكرامة والعدل والتعليم والمساواة أمام القانون فقد فهم شيئًا من روح الثورة.
والشاب الذي يحفظ أسماء الثوار حفظ تاريخًا.
أما الشاب الذي يرفض أن يظلم غيره لأنه مختلف عنه في المنطقة أو المذهب أو الرأي أو الانتماء فقد حمل شيئًا من ذلك التاريخ إلى المستقبل.
وهنا يصبح التعليم ثورة.
والوعي ثورة.
والعدل ثورة.
واحترام الإنسان ثورة.
إلى جيل لم يرَ سبتمبر…
ربما لا تستطيع أن تتخيل اليمن الذي كان قبل ذلك اليوم.
وربما تبدو لك صور الثوار قديمة وملابسهم قديمة وأساليبهم قديمة وأخبارهم بعيدة جدًا.
لكن لا تجعل قدم الصورة تجعلك تظن أن الفكرة قديمة.
اسأل نفسك فقط:
هل تريد أن تكون مواطنًا كامل الحقوق؟
هل تريد أن يكون مستقبلك ملكًا لك؟
هل تريد أن يفتح القانون بابه لك كما يفتحه لغيرك؟
هل تريد أن يكون التعليم طريقًا والعمل حقًا والكرامة شيئًا طبيعيًا لا منحة؟
إذا كانت إجابتك نعم…
فأنت تفهم شيئًا من سبتمبر.
حتى لو ولدت بعد عقود من حدوثها.
وإلى الذين سبقونا…
إلى الذين حملوا أحلامهم في زمن لم يكن المستقبل فيه مضمونًا.
إلى الذين خرجوا ولم يعرفوا إن كانوا سيعودون.
إلى الجندي الذي وقف في الجبهة.
إلى الرجل الذي حمل رسالة الثورة.
إلى المعلم الذي آمن أن العلم يمكن أن يغير بلدًا.
إلى الأم التي ودعت ابنها وهي تعرف أن الطريق قد يكون بلا عودة.
إلى كل من دفع ثمنًا من عمره أو أمنه أو حياته من أجل أن يرى اليمن في مكان أفضل…
ربما لم نعرف أسماءكم جميعًا.
وربما لم تحفظ الكتب تفاصيل كل ما فعلتم.
لكننا نعيش في وطن تركتم فيه أثرًا.
نحن لم نرَ وجوهكم جميعًا لكننا نعيش في أثر خطوتكم.
وإذا كان سبتمبر قد فتح باب الجمهورية وكان أكتوبر فصلًا آخر من فصول التحرر والاستقلال ثم جاءت الوحدة في 22 مايو 1990م. بعد مسار طويل من التفاوض والتحولات فإن مسؤوليتنا اليوم ليست أن نعيد التاريخ إلى الوراء ولا أن نتعامل معه وكأنه كان طريقًا بلا أخطاء.
التاريخ اليمني أكثر تعقيدًا من ذلك.
والوحدة نفسها مرت بتجارب وصراعات مؤلمة وكان من أبرز محطاتها حرب 1994م وما تلاها من قضايا وخلافات ما زالت حاضرة في النقاش اليمني. لذلك فإن الحديث عن الوحدة للأجيال لا ينبغي أن يكون مجرد شعار بل حديثًا عن دولة يشعر فيها اليمني بالعدالة والكرامة والمساواة وعن وطن يتسع لأبنائه جميعًا.
لأن الوحدة لا يكفي أن تكون اسمًا على الخريطة.
الوحدة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الإنسان أن الوطن كله وطنه.
وهنا نصل إلى الجملة التي ربما ينبغي أن نحملها معنا من كل هذه السنوات:
الثورات لا تحفظها الاحتفالات وحدها.
يحفظها الإنسان.
يحفظها القانون.
يحفظها التعليم.
تحفظها الذاكرة.
يحفظها الوعي.
يحفظها القدرة على الاعتراف بالأخطاء بدل تحويل التاريخ إلى صنم لا يُراجع.
وتحفظها الأجيال عندما تفهم أن الوطن ليس شيئًا استلمه جيل من جيل ليختلفوا عليه بل أمانة يسلمها جيل إلى جيل.
ربما أخطأنا كثيرًا.
وربما أضعنا سنوات كان يمكن أن تكون أجمل.
وربما دفع اليمن ثمنًا باهظًا من الدم والوقت والفرص.
لكن الوطن لا يصبح بلا مستقبل لأن أبناءه أخطأوا.
الوطن يصبح بلا مستقبل عندما يقرر أبناؤه أن أخطاء الماضي هي قدر المستقبل وهذا ما لا ينبغي أن نفعله.
لأن الذين صنعوا سبتمبر لم يكونوا يملكون كرةً زجاجية يرون فيها اليمن بعد ستة عقود.
لم يعرفوا كيف سيكون عام 1990م.
ولم يعرفوا كيف سيكون عام 2026م.
كانوا فقط يعرفون شيئًا واحداً
أن اليمن يستطيع أن يكون أفضل مما كان.
وهذه الفكرة وحدها تستحق أن تبقى حية.
في هذا اليوم لا أريد أن أقول فقط:
عاشت 26 سبتمبر.
بل أريد أن أسأل:
كيف نجعل معناها يعيش؟
كيف نجعل الطفل اليمني يشعر أن الجمهورية تعنيه؟
كيف نجعل الشاب يرى مستقبله داخل وطنه؟
كيف نجعل المدرسة تعلمه تاريخ بلده دون أن تعلمه كراهية أخيه؟
كيف نجعل الاختلاف السياسي اختلافًا لا خصومة؟
كيف نجعل الوطن أكبر من الحزب وأكبر من القبيلة وأكبر من المنطقة وأكبر من الأشخاص
كيف نجعل اليمني عندما يسافر داخل بلده يشعر أنه انتقل من محافظة إلى محافظة لا من وطن إلى وطن
هذه ليست أسئلة احتفال.
هذه أسئلة مستقبل.
يا أبناء اليمن…
لقد ورثنا تاريخًا ثقيلًا.
ورثنا أسماءً عظيمة.
ورثنا قبورًا لشهداء.
ورثنا أعلامًا.
ورثنا أناشيد.
ورثنا قصصًا عن رجال ونساء آمنوا أن التغيير ممكن.
لكننا ورثنا أيضًا أخطاءً وصراعات وانقسامات وجراحًا.
ومهمتنا ليست أن نرث الاثنين ونكرر الاثنين.
مهمتنا أن نأخذ من الماضي دروسه لا أحقاده.
أن نأخذ من سبتمبر معنى الجمهورية.
ومن أكتوبر معنى الحرية والاستقلال.
ومن تجربة الوحدة معنى أن اليمن يستطيع أن يتجاوز الحدود التي صنعها التاريخ السياسي.
ثم نبني فوق ذلك كله يمنًا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه بكرامة.
بعد أربعة وستين عامًا…
ما زال السادس والعشرون من سبتمبر يطرق باب اليمن.
ولا يسألنا:
كم مرة احتفلتم بي؟
ولا يسأل:
كم منشورًا كتبتم عني؟
ولا يسأل:
كم علمًا رفعتم؟
أظنه يسأل سؤالًا واحدًا فقط:
ماذا فعلتم بالجمهورية التي تركناها أمانة في أيديكم؟
وهنا لا أملك جوابًا جاهزًا.
ولا أظن أن أحدًا يملكه.
لكنني أعرف أن الإجابة لن تكون في الماضي.
ستكون في المدرسة التي نبنيها.
وفي الطفل الذي نعلمه.
وفي القانون الذي نحترمه.
وفي الإنسان الذي نكرمه.
وفي الوطن الذي نتركه لأبنائنا.
لقد فتح الذين سبقونا بابًا.
ونحن اليوم أمام الباب نفسه.
يمكننا أن نقف عنده ونروي لأبنائنا كيف فتحه آباؤهم.
ويمكننا أن ندخل.
26 سبتمبر لم تكن يومًا انتهى في 1962م.
كانت بداية طريق.
و14 أكتوبر لم تكن مجرد تاريخ آخر.
كانت امتدادًا لحلم الحرية والتحرر.
و22 مايو 1990م لم يكن مجرد رقم في التقويم.
كان محطة كبرى في مسار طويل من البحث عن يمن واحد.
أما نحن…
فلسنا مطالبين بأن نعيش في الماضي.
نحن مطالبون بأن نجعل المستقبل جديرًا بكل ما دفعه الماضي من ثمن.
فإذا كان الذين سبقونا قد امتلكوا شجاعة أن يفتحوا باب المستقبل…
فأقل ما نستطيع فعله نحن ألا نغلقه في وجوه أبنائنا.
وفي جمهورية تحت الانتظار…
قد يطول الانتظار.
وقد تتعثر الطريق.
وقد نختلف كثيرًا.
لكن ما دام في اليمن طفل يحلم بمدرسة وشاب يحلم بمستقبل وأم تريد أن تطمئن على أبنائها وإنسان يريد أن يعيش حرًا كريمًا في وطنه…
فإن سبتمبر لم تنتهِ بعد.
لأن الثورات لا تعيش في التواريخ.
الثورات تعيش في الإنسان.
دمتم بخير ووعي وابتسامة
بقلم: موسى أحمد – سلسلة جمهورية تحت الانتظار
#جمهورية_تحت_الانتظار
#ثورة_26_سبتمبر
#موسى_أحمد #اليمن





