كيف خسرنا المعركة الإعلامية في اليمن

د. لمياء الكندي

عندما انطلق تيار الأقيال كتيار وطني جامع يعبر عن اليمنيون وهويتهم اليمنية ومبادئهم الجمهورية، لم يكن ذلك مجرد تيار أو خطاب سياسي عابر، بل كان موقفًا تاريخيًا صلبًا في مواجهة الكهانة والاستبداد.

لقد  كانوا أقيالًا يحملون مشروع دولة، وهوية شعب، وذاكرة تاريخ. غير أن هذا المسار لم يستمر على وتيرته؛ إذ برز من داخل الصف الجمهوري ذاته من انقلب والب  على هذا التيار، وحاربه بكل الوسائل.

انشغل البعض ببناء كيانات موازية للدولة، تقاسمت الجغرافيا، وضيّقت مفهوم الوطن، وحوّلت النفوذ إلى جزر معزولة تُدار بمعزل عن المشروع الوطني الجامع.

ومع هذا التفتت، لم تعد القضية الوطنية حاضرة في خطاب موحّد يعكس الهوية والتاريخ والانتماء، بل أصبحت مشتتة، ضعيفة، ومجردة من روحها الجامعة.

في خضم هذا التراجع، لعب الإعلام الرسمي دورًا باهتًا لا يرقى إلى حجم التحدي. بدل أن يكون أداة لتعزيز الهوية الوطنية، تحوّل إلى منصة تقدم صورة نمطية رديئة، فاقدة للتأثير، عاجزة عن مخاطبة الوعي الجمعي. وهكذا، بدأت “اليمن” كهوية تتلاشى بين أيدينا، دون مقاومة تُذكر.
في المقابل، أدرك الطرف الآخر مبكرًا خطورة المعركة، فخاضها بوعي واستراتيجية. عمل الحوثي على ترسيخ ما يسميه “الهوية الإيمانية” عبر منظومة متكاملة تشمل الإعلام، والتعليم، واللجان الشعبية، ومؤسسات الدولة التي انقلب عليها.

هذه الهوية، التي تقوم على مركزية الكهنوت، لم تُفرض فقط بالقوة، بل جرى تغذيتها بشكل مستمر عبر أدوات التأثير المختلفة، حتى نجحت – ولو قسرًا – في إيجاد حضور لها داخل المجتمع.

ولعل إطلاق قناة “يمان” للأطفال يمثل خطوة متقدمة في هذا المسار؛ إذ لم تعد المعركة موجهة إلى الحاضر فقط، بل إلى المستقبل، عبر استهداف عقول الأجيال الناشئة. إنها عملية إعادة تشكيل للوعي، تتكامل مع تغييرات في المناهج التعليمية، وسائر أدوات التأثير الثقافي، بهدف إعادة تعريف الهوية اليمنية وفق منظور أحادي.

وفي الجهة المقابلة، يقف المشروع الوطني عاجزًا عن إنتاج خطاب إعلامي مؤثر، أو حتى إنشاء منصات متخصصة قادرة على المواجهة. لا قنوات نوعية، ولا إذاعات موجهة، ولا مراكز بحثية تواكب المرحلة وتفكك خطاب الخصم وتبني بدائل حقيقية. هذا الغياب لا يمكن تفسيره بالقصور فقط، بل يعكس حالة من الجفاف الفكري، وربما الإهمال المتعمد.

إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل معركة هوية بكل ما تعنيه الكلمة. معركة تُخاض بالعقول قبل الميادين، وبالكلمة قبل السلاح. وإذا استمر هذا الفراغ، فإن الخسارة لن تكون مؤقتة، بل قد تمتد لتطال الوعي الجمعي لأجيال كاملة.

استعادة الهوية لا تبدأ من الشعارات، بل من مشروع إعلامي وثقافي متكامل، يعيد تعريف “اليمن” في وجدان أبنائها، ويمنحهم رواية جامعة، وهوية تستحق أن تُدافع عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى