التشيّع السياسي: قراءة في منهجية التوظيف وإسقاط الدولة

د. لمياء الكندي :
لم يعد الجدل حول التشيّع في سياقه المعاصر مقتصرًا على كونه اختلافًا فقهيًا أو تنوّعًا مذهبيًا ضمن الإطار الإسلامي العام، فقد تجاوز ذلك ليصبح ظاهرة سياسية تتداخل فيها الأبعاد العقائدية بالسياسية، فينتج عنها جماعات عنف محلية لا توافقية، ذات توجه سلطوي، تقدّم نفسها كبديل لفشل السياسات الحكومية في مجابهة الأزمات العامة التي تواجهها، سواء على المستوى الخاص أو على مستوى الأمة الإسلامية.
فالخلل بالنسبة لهم ليس في طبيعة السياسات التي تنتجها أنظمة الحكم المختلفة، ولا في سوء الإدارة، ولا في الأزمات الداخلية والخارجية المؤثرة على تلك الأنظمة، ولا في طبيعة الموارد الاقتصادية والظروف الجيوسياسية المحيطة بها؛ إذ يتم تجاهل كل تلك المؤثرات، وتعليق ذلك الفشل على منظومة الدول الإسلامية والنظام العربي، وإرجاعه إلى غياب نظام الحكم الإسلامي القائم على ولاية آل البيت، وآلية تنظيم هذه الولاية وفق مبادئ الثورة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويحاول الإيرانيون، من خلال الدولة الدينية الشيعية، إعادة إنتاج تاريخية للتشيّع السياسي، الذي عبّر عن نفسه تاريخيًا في مرحلتين: الأولى أثناء الفتنة الكبرى عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وما تلاه من صراع حول السلطة، وإخراج طبيعة ذلك الصراع من تنافس سلطوي على الحكم إلى مشروعية دينية تؤسس للحكم ولو بالقوة، وبمبدأ الحرب أو الثورة، على غرار ما حصل في حرب علي ومعاوية، أو ثورة الحسين وزيد بن علي، وثورة محمد بن إبراهيم، وثورة الرضا من آل محمد التي مهّدت للدولة العباسية في الحكم.
وما زالت الثورات الشيعية وتداعياتها، عبر ما يزيد على ألف وثلاثمائة عام، مستمرة في إضعاف الدولة الإسلامية تحت رايات مختلفة، تقودها شخصيات شيعية باطنية، وصولًا إلى قيام الدولة البويهية والصفوية التي شكّلت أعظم تجليات التشيّع السياسي في المنطقة، ودخلت في صراعات إقليمية عديدة مع القوى العربية والإسلامية المحيطة بها.
لتعاود الخمينية الإيرانية، على طريق الثورة الإسلامية، حضورها المهدِّد للأمن والاستقرار العربي. هذه الثورة التي انتهجت مبدأ تصدير الثورة؛ فالتشيّع بالنسبة لها لم يكن دين الدولة فحسب، بل تم توظيف الدولة لتقوم بمهمة نشر التشيّع، والسعي نحو تحقيق إمبراطورية شيعية تقوم على أشلاء النظام العربي والإسلامي الحالي، الذي أعلنت له الدولة الوليدة في إيران العداء، وتوعّدت بتغييره، ووصفته بالعمالة والارتهان لأعداء الأمة.
عند هذه الحيثية، وجّه الإيرانيون رسالتهم للنظام العربي الحاكم ولجيرانهم العرب: إمّا أن تكونوا معنا، أي تأكيد الارتباط الهوياتي الديني الشيعي وتأكيد التبعية لولاية الفقيه، وإلّا فأنتم أعداؤنا. من هنا بدأ الحراك الفعلي لتحوّل العلاقات الإيرانية العربية من الصداقة إلى التهديد، ومن السلم إلى الحرب.
لم تكن دول الخليج هي من اختارت هذا النوع من العلاقة، لكنها كانت ولا تزال تجد نفسها مرغمة على أن تضع نفسها في موقف الحذر والريبة تجاه السلوك الإيراني، حتى في أوقات السلام. لكنها، على عكس إيران، لم ترَ في إيران الثورة مهددًا وجوديًا لها، فاستمرت في علاقتها الحذرة، بينما تحشد إيران طاقاتها وقدراتها لفرض مبدأ تصدير الثورة، والسعي لأن تكون متفردة إقليميًا في ترتيب المشهد الأمني والعسكري والاقتصادي والديني، حسب ما تمليه الطبيعة الوظيفية للجمهورية الإسلامية.
من هنا جرى تدشين مشاريع التشيّع السياسي باعتبارها أداة لمواجهة قوى الاستكبار، حسب العقيدة الخمينية، وإسقاط الأنظمة العربية “العميلة” لها. ومن هنا تمّت زراعة الحاضنات الشيعية في الدول العربية لتكون مساحات استزراع شيعي سياسي خصبة لإضعاف الدولة الوطنية وتعطيلها تمهيدًا لإسقاطها، على غرار ما جرى في العراق واليمن ولبنان، أو توظيف النظام العربي ليكون حاملًا لمنظومة العداء الشيعي، على غرار النظام السوري في عهد حافظ وبشار الأسد.
لقد كان سقوط صنعاء أكبر وأخطر إنذار للنظام العربي والأمن الإقليمي للمملكة العربية السعودية، حيث ترتب عليه توسيع دائرة التهديد المباشر لأمن المملكة، وللأمن البحري التجاري العالمي، الذي وجد نفسه يقع في فكّي كماشة بين تحكّم إيراني بمضيق هرمز والبحر الأحمر، فكلاهما يخضعان لقوة واحدة وعقيدة سياسية واحدة تتيح لهما الإضرار بالنظام التجاري العالمي متى ما أرادا.
لم يكن الإعلان الإيراني بسقوط أربع عواصم عربية بأيديهم بمعزل عن ترتيبات إيرانية لإسقاط المزيد من العواصم؛ لذلك جرى تجييش العقيدة الإيرانية عبر أدواتها العربية في الخليج واليمن والعراق ومصر ودول المغرب العربي، لتتبنّى السردية الإيرانية في توصيف الأحداث والسياسات في المنطقة. هذا التصنيف الذي قسّم المنطقة إلى محورين: محور “المقاومة” كما تدّعي إيران وأذرعها، والمحور الأمريكي الإسرائيلي.
تقبّلت أعداد كبيرة من الجماهير العربية هذه السردية، التي نشرت التشيّع السياسي بين مختلف الفئات الاجتماعية: طلاب، ومثقفين، وعمال، ومزارعين، وتجار، وحرفيين؛ حيث أبدى كثيرون قابلية للتوافق مع الخطاب الإيراني باعتباره خطابًا مقاومًا وممانعًا.
من هنا، وتحت لافتة مقاومة الاستكبار العالمي، إلى الوراثة المزعومة للقضية الفلسطينية، والمتاجرة بها، وإظهار الوصاية الكاملة على الحركات الفلسطينية المقاومة، في محاولة لسلخها من الحاضنة العربية والنظام العربي الرسمي والشعبي، تم توظيف الجهاز الإعلامي في حركتي حماس والجهاد الإسلامي ليكون ناطقًا باسم المحور الإيراني، تبعًا لتقديرات ومصالح إيرانية لا فلسطينية.
وبذلك تكون إيران قد نجحت في اختراق الوعي الجمعي العربي عبر موقفها من القضية الفلسطينية، حتى بات يُنظر إليها بوصفها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على الدفاع عن المقدسات الإسلامية.
لقد كان لامتداح النظام الإيراني ومباركة سياسته في المنطقة دافعًا لإيجاد سياج تشيّعي سياسي، لا ديني، يدافع عن المصالح الإيرانية، ويشكّل قوة ضغط شعبية على الحكومات العربية، التي وجدت نفسها تفتقد الحجة والقدرة الإعلامية لمواجهة التدخل الإيراني وتغلغله في المجتمعات العربية.
فتعطّلت القدرة الإعلامية والثقافية الرسمية العربية أمام آلة التشيّع السياسي الإيراني، الذي حصد تأييدًا جماهيريًا واسعًا، أتاح المجال لنفوذ اجتماعي وسياسي مباشر للقوى المحلية العربية لفرض التشيّع الديني، الذي بات محميًا بجماهير واسعة متشيّعة سياسيًا لآل البيت، وأصبحت ملتزمة أخلاقيًا تجاههم، وتتبنّى الدعاية لمظلوميتهم، والمناشدة بتمكينهم سياسيًا وحقوقيًا، وفق منظومة الامتيازات الشيعية من الخُمس إلى الإمامة.
فظهر من بين هذه الملايين العربية التي جرى تشييعها سياسيًا من يتحدث عن “المظلومية اليمنية”، ويساند إيران وميليشياتها في اليمن، ويُعادي المملكة العربية السعودية والخليج العربي، كما لا يمانع تعطيل الدولة اللبنانية مقابل تمكين حزب الله، ليكون أداة قمع داخلي تحت ذريعة “المقاومة”.
وهؤلاء أنفسهم هم من ملأوا الدنيا ضجيجًا في مصر وتونس والجزائر وغيرها عند سقوط نظام بشار الأسد، لأنهم تمسّكوا بفكرة “النظام المقاوم”، وتجاهلوا إبادة النظام لشعبه.
وها هي إيران اليوم، وتحت شعار مواجهة نظام الاستكبار العالمي ومحاربة أمريكا وإسرائيل، تدشّن عهدًا جديدًا من العداء لجيرانها العرب، وتزجّ بهم في معركة لم يكونوا طرفًا فيها، فتوجّه إليهم أسلحتها من صواريخ وطائرات مسيّرة، وتلوّح باستهداف منشآتهم الاقتصادية وموارد الطاقة، وتتعهد بتحويل الخليج إلى كومة من الزجاج المهترئ.
ومع ذلك، نجد أبواق التشيّع السياسي يتنطّعون من كل منبر إعلامي وفضاء سياسي وعام للتحذير من مخاطر تغيير النظام الإيراني، ويطالبون النظام العربي باتخاذ خطوات حاسمة تمنع انهياره، والضغط لوقف ما يسمونه “العدوان عليه”، وتصوير إيران وكأنها ضحية، لا كفاعلٍ لسياساتها العدائية ونهجها التوسعي تحت حجة مخاوف التمدد الإسرائيلي اذا تلاشت قوة الردع الإيرانية وكان إيران كانت تدافع عن أمننا ومصالحنا فما هكذا تُورد الإبل يا عرب.
ودمتم بخير






