إشكالية التصنيف الحزبي: أزمة فعلية تمنع مشاركة الشرفاء في مواقع النفوذ والقرار

د. لمياء الكندي :
لم تكن الحزبية في اليمن انعكاسًا للتنوع السياسي أو التوجه الديمقراطي الذي ترعاه الدولة وتنظم مساراته، بل تحولت الأحزاب من كيانات سياسية داعمة لمؤسسات الدولة إلى أدوات هدم أو تعطيل وإعاقة لمشروع الدولة.
تنقسم الكتلة الحزبية المؤثرة في اليمن بين كيانين رئيسيين هما: المؤتمر الشعبي العام، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، ويلحق بهما في المناطق الجنوبية الحراك الجنوبي المنادي بالانفصال.
خلال مرحلة الحرب التي تجاوزت عشر سنوات، لم يستطع أي طرف تقديم رؤية كمشروع وطني مؤهل لقيادة الدولة، وترتب على ذلك فشل داخلي في إدارة الأزمات وتأخير قرار الحسم. كما أدى ذلك إلى فقدان الخارج، بما فيه المملكة العربية السعودية، الثقة بوجود حليف قوي يمكن الاعتماد عليه ليكون حاملًا وطنيًا لاستعادة الدولة. ولهذا نشهد تفرّع السياسة الدولية في دعم جماعات وأحزاب بعينها بعيدًا عن الدولة، بشكل يكرّس تعدد الأدوار وتوزيعها لصالح هذه الأحزاب وتلك.
ونتج عن هذا النهج في التعامل مع الأحزاب والتيارات السياسية، وحتى مع مؤسسات الدولة، غياب مشروع متكامل يؤهل أي حزب لتحمل مسؤولية القيادة الوطنية.
فضعف قرار الدولة أمام حالة توزيع المهام والارتباطات وفق حسابات الداعم والممول الخارجي، الذي قاده الفراغ الناتج عن غياب قيادة حزبية ووطنية جامعة، إلى التعامل مع الملف اليمني وفق ثقافة الكيانات والقطاعات المستقلة، بعيدًا عن مشروع الدولة، نظرًا لانعدام الثقة في هذه الأحزاب وغياب مصداقيتها في تحمل مسؤولية استعادة الدولة.
ولم يقتصر تأثير هذا الوضع الحزبي المتردي والمنقسم على بنية الدولة ووحدة قيادتها، بل امتد إلى آليات العمل داخلها، حيث تغلب المحاصصة والتزكيات والترضيات الحزبية على قرارات التعيين والإدارة وغيرها من المهام، بدلًا من تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية الجامعة لكل اليمنيين.
لقد خلفت هذه الحالة من أزمة الإدارة الحزبية نفور مئات، إن لم نقل آلاف، من الشخصيات الوطنية الشريفة من هذه الأحزاب، ودخولها في صدام داخلي معها، نتيجة إدارتها لمؤسسات الدولة والهيئات الواقعة تحت نفوذها.
فقد خرج من بين هذه الأحزاب (المؤتمر والإصلاح) آلاف الشرفاء المتذمرين الذين واجهوا قياداتهم المحلية، منتقدين أداءها وسياساتها، خاصة في ما يتعلق بملفات الفساد وتعطيل القوى الوطنية عن ممارسة دورها في استعادة الدولة وبناء مؤسساتها.
وجرى إحالة رجال المرحلة إلى التهميش، بل وصل الأمر بالبعض إلى العزل والإهمال والإفقار، كي لا يصل صوتهم إلى قياداتهم الحزبية أو إلى الرأي العام. لقد أُجبر الشرفاء والخبراء وأهل المواقف والتضحيات على الانزواء، وكأنهم يعيشون أطول حالة إقصاء في التاريخ، بعد أن حُرِموا من الفرص التي تليق بخبراتهم ومكانتهم.
وهكذا وجد الشرفاء من أبناء اليمن أنفسهم كوادر راكدة، مغيبة عن المشاركة في صناعة القرار، حتى على المستوى الإداري البسيط داخل مؤسسات الدولة.
وقد لحق بهم التهميش والتغييب القسري، فتحولوا من طاقات وطنية قادرة على صناعة التحول وخدمة البلد إلى قوى معطلة، منهكة بالتزامات أسرية، بعد أن كانوا قادة وأصحاب رأي ومكانة، فأصبحوا عاجزين متذمرين، صنيعة للأداء الحزبي الذي عطّل القوى الوطنية الحية.
وإذا ما أُتيحت لهؤلاء فرصة حقيقية للإسهام في بناء مشروع وطني وقيادة وطنية، فإن عامل التصنيف الحزبي يقف عائقًا أمامهم. فاليمن لا تخلو من مئات وآلاف الشرفاء في القطاعين المدني والعسكري، تحتاج إليهم الدولة كعامل قوة لبناء مؤسساتها، لكن من يشرف على قرارات التعيين ينظر إلى المرشح بمنظور حزبي ضيق، فيُصنَّف هذا “مؤتمريًا” حتى وإن عارض سياسات المؤتمر، ويُصنَّف ذاك “إصلاحيًا” حتى وإن اختلف مع قيادته.
لقد أصبحت الحزبية وصمة تمنع هؤلاء المحايدين، أو المغضوب عليهم من أحزابهم، من تولي أي مهام قيادية. وتحول تاريخ انتمائهم الحزبي إلى عبء يقصيهم بدل أن يكون رصيدًا وطنيًا.
ويُنظر إليهم باعتبارهم “عفاشيين” أو “إخوانًا”، فيتحول الانتماء الحزبي إلى معضلة لا يشعر بها إلا أصحابها. ويُتجاهل تاريخ نضالهم، وتُهمّش نزاهتهم وتضحياتهم، في مقابل تغليب عقلية التصنيف الضيق، التي عطّلت موارد الدولة البشرية من رجالاتها الحقيقيين.
إن من بيدهم القرار مطالبون بأن يتقوا الله في اليمن، وفي رجالاته الأوفياء، وأن يتركوا لهم هامشًا ليكونوا فاعلين حقيقيين في استعادة الدولة وإنقاذها من الفساد الذي تفشّى في مؤسساتها تحت مظلة الحزبية والمناطقية، حتى بات أمرًا يزكم الأنوف، ويستوجب المعالجة العاجلة قبل أن يتحول إلى وباء يصيب الجميع بالشلل.
ودمتم بخير.





